ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٤٢٩ - ٢١٤ - قربك منه أن تكون مشاهدا لقربه، و إلا فمن أين أنت و وجود قربه؟
و اعلم أن هذا العلم باللّه يكون كسبيّا، ثم لا يزال يغيب عن نفسه و حسه، سكرة بعد سكرة، و حيرة بعد حيرة، حتى يصحو و ينجلي عن ضباب الحس، و سحاب الجهل و ظلمة النفس، فتشرق عليه شمس النهار، و تنجلي عنه ظلمة الأغيار، و في ذلك قيل:
|
ليلي بوجهك مشرق |
و ظلامه في الناس سار |
|
|
الناس في سدف الظلام |
و نحن في ضوء النهار |
|
أي ليل وجودى صار مشرقا مضيئا بسبب شهود ذاتك، و ظلام ليل القطيعة سار في جل الناس، الناس في جوف ظلمة الأكوان، و نحن في ضوء شموس العرفان، ثم لا يزال في تربية الشيخ و تحت حضانته و مدده، سار إليه بقدر صدقه، حتى يسلم له خصيم الغرق الظلماني، و ينفرد النوارني، و يحس ذلك من نفسه، فحينئذ يقول بلسان الحال: أقر الخصم فارتقع النزاع، فإذا انفرد الخصم النوراني استمد من كل شيء، و شرب من كل شيء، و أخذ النصيب من كل شيء، فيبقى وصوله إلى الواسطة شكرا و إحسانا: أَنِ اشْكُرْ لِي وَ لِوالِدَيْكَ [لقمان: ١٤]، و ينشد حينئذ بلسان حاله و مقاله:
|
الحمد للّه لا تفنى محامده |
و الحمد للّه في الآصال و البكر |
|
|
من يهده اللّه أضحى عالما فطنا |
باللّه في كل ما يبدو من الصور |
|
|
يا طالب الوصل جد بالنفس ملتفتا |
عنها إلى منزل الأشياء بالقدر |
|
|
فإن ظفرت فأنت الفرد و العلم ال |
منعوت بالحسن و الحسنى لذى نظر |
|
و منها: أي من اصطلاحاتهم ذكر القرب و الاستشراف و المراقبة، و فسر الشيخ معنى القرب فقال:
٢١٤- قربك منه أن تكون مشاهدا لقربه، و إلا فمن أين أنت و وجود قربه؟.
قلت: إذا حققت أن الأكوان ثابتة بإثباته، ممحوة بأحدية ذاته علمت علم يقين أن الأكوان و المكان و الزمان لا وجود لها، و أن الحق كما كان وجود وحده و لا أين و لا مكان، بقي كذلك لا أين و لا مكان و لا زمان، نور أحديته محا وجود الأكوان فانتفى بوجوده الزمان