ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٤٢٨ - ٢١٣ - وصولك إليه وصولك إلى العلم به، و إلا فجل ربنا أن يتصل به شيء، أو يتصل هو بشيء
الباب الثالث و العشرون
٢١٣- وصولك إليه وصولك إلى العلم به، و إلا فجلّ ربّنا أن يتّصل به شيء، أو يتّصل هو بشيء.
قلت: قد ذكر أهل الفن في هذا المقام اصطلاحات و ألفاظا تداولوها بينهم تقريبا لفهم المعاني، فمنها: السير، و الرحيل، و ذكر المنازل، و المناهل، و المقامات، و منها: الرجوع، و الوقوف، و كل ذلك كناية عن مجاهدة النفوس و محاربتها، و قطع العوائق و العلائق عنها، أو الوقوف مع شيء منها، و سيأتي للمؤلف: لو لا ميادين النفوس ما تحقق سير السائرين، و منها: الوصول، و التمكين، و السكون، و الطمأنينة، و منها: المشاهدة، و المكالمة، و المجالسة، و المساررة، و غير ذلك، و كل ذلك كناية عما أدركته أرواحهم، و ذاقته أسرارهم من عظمة الحق و جلاله، و سيأتي تفسير شيء من ذلك في محله إن شاء اللّه. و معنى الوصول عندهم تحقيق العلم بوجوده وحده، فوصولك إليه هو شعورك بعدمك حتى يكون عدمك عندك ضروريا، و علمك بوجوده كذلك، و هذا الأمر كان حاصلا لك في نفس الأمر، لكن لم تشعر، و في هذا المعنى قال بعضهم، و بعضه للششتري:
|
بين طلوع و نزول |
تخبّلت الغزول |
|
|
أفن من لم يكن |
يبق من لم يزول |
|
|
جول كي تزول |
أو امش نزع الفحول |
|
فالزوال هو المعرفة، و هو معنى الوصول، و سببها جولان الفكرة و لذلك أمره بها. و قال شيخ شيوخنا سيدي علي: الناس كلهم يشاهدون و لا يعرفون. و سمعت شيخنا يقول: الناس كلهم في البحر: أي في بحر الوحدة، و لكن لا يشعرون، فوصول العبد إلى اللّه عن تحقيق العلم بوجوده، و الغيبة عن نفسه، و عن كل ما سواه، و إلا تكن كذلك بأن تعتقد أن الوصول يكون حسيّا، فجل ربنا: أي تعالى و ترفع أن يتصل به شيء للزوم تحيزه، أو يتصل هو بشيء للزوم افتقاره و حصره، تعالى عن ذلك علوّا كبيرا.