ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٤١٦ - ٢٠٤ - أنوار أذن لها في الوصول، و أنوار أذن لها في الدخول
الباب الثاني و العشرون
٢٠٤- أنوار أذن لها في الوصول، و أنوار أذن لها في الدخول.
قلت: أما الأنوار التي أذن لها في الوصول فهي أنوار الإيمان، و هي لأهل الدليل و البرهان، لأن قلوبهم لم تتفرغ من الأغيار و لم تمح منها صور الآثار، فلما جاءت وجدت داخل القلب مملوءا بصور الآثار فوقفت في ظاهر القلب. و أما الأنوار التي أذن لها في الدخول فهي أنوار الإحسان، من الشهود و العيان، و ذلك لأنهم لما فرّغوا قلوبهم مما سوى ربهم دخلتها الأنوار فوجدت متسعا فسكنت سويداء قلوبهم، و علامة النور الواصل و الداخل أن صاحب النور الواصل للظاهر فقط، تراه تارة مع الدنيا، و تارة مع الآخرة، تارة مع حظ نفسه، و تارة في حق ربه، تارة مع الغفلة، و تارة مع اليقظة، و صاحب النور الداخل لسويداء القلوب لا تراه إلا مع ربه، لا يشغله عنه حظوظ الدنيا، و لا حظوظ الآخرة، غائبا عن نفسه حاضرا مع ربه. قال بعض الحكماء: إن الإيمان إذا كان في ظاهر القلب كان العبد محبّا لآخرته و دنياه، فيكون صاحبه تارة مع ربه و تارة مع نفسه، و بقدر تمكن النور في القلب و دخوله إليه يكون بغض العبد للدنيا و تركه لهواه انتهى. و في هذا المعنى قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم: «النور إذا دخل القلب انفسح و انشرح، قيل: فهل له من علامة يا رسول اللّه؟ قال: نعم، التجافي عن دار الغرور، و الإنابة إلى دار الخلود، و التزود لسكنى القبور، و التّأهّب ليوم النّشور[١]» انتهى. ثم اعلم أن الأنوار التي أذن لها في الوصول عامة لجميع المؤمنين، و قد تقدم قول أبي الحسن:
[١] - رواه ابن المبارك في الزهد( ٣٠٠)، و الحكيم في النوادر( ١/ ٤١٥)، و البيهقي في الشعب( ٧/ ٣٥٢)، و الحاكم في المستدرك( ٤/ ٣٤٦) عن رجل من بني هاشم.
قلت: هو عبد اللّه بن المسور المدائني: متروك، إلا أنه وصله خالد بن أبي كريمة عن أبي جعفر عن ابن مسعود، كما فى طبقات أبي الشيخ( ١/ ٣٠٥)، و تاريخ أصبهان لأبي نعيم( ٢/ ٨٣)، و بالجملة: فقد صححه السادة الصوفية في كتبهم نقلا عن الأقطاب في كشفهم، قدس اللّه أسرارهم.