ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ١٩٣ - ٧٣ - إن أردت أن تعرف قدرك عنده فانظر في ما ذا يقيمك؟
فمن رأيناه في زيادة الأعمال و الترقي في الأحوال علمنا أنه وجد لعمله ثمرة، فهي بشارة له على قبولها، و من رأيناه انقطع عن عمله أو نقص من أحواله خفنا عليه عدم قبول أعماله. و من ثمرة العمل أيضا: الاستيحاش من الخلق، و الأنس بالملك الحق. و من ثمرة العمل أيضا الاكتفاء بعلم اللّه، و الاستغناء به عما سواه. زاد الشيخ زروق رضي اللّه تعالى عنه الحياة الطيبة، و نفوذ الكلمة، و انتفاء الحزن للفرح بالمنة. انتهى. فدليل الأول قوله تعالى: مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً [النحل: ٩٧]، قيل: هي القناعة، و قيل: هي الرضا و التسليم و التحقيق أنها المعرفة، و دليل الثاني و هو نفوذ الكلمة قوله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ [النور: ٥٥]، فنفوذ الكلمة هي الخلافة، و قال أيضا:
وَ جَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا [السجدة: ٢٤]. و أما الثالث:
و هو انتفاء الحزن، فدليله في نفسه، لأن حلاوة العمل تنسي الحزن و الغم، لأنها شبيهة بنعم الجنة، قال تعالى في شأن أهل الجنة: وَ قالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ [فاطر: ٣٤]، و اللّه تعالى أعلم، و سيأتي التحذير من الوقوف مع حلاوة الطاعة، و أنها سموم قاتلة. و لما ذكر ميزان مقادير الأعمال ذكر ميزان مقادير الرجال، أو تقول: لما ذكر ميزان العمل المقبول من المردود ذكر ميزان العامل المحبوب من المطرود، فقال:
٧٣- إن أردت أن تعرف قدرك عنده فانظر في ما ذا يقيمك؟.
قلت: جعل اللّه تعالى بحكمته خلقه على قسمين: أشقياء و سعداء، و جعل السعداء قسمين: أهل قرب و أهل بعد، أو تقول: أهل يمين و مقربون، و هم السابقون، فإن أردت أن تعرف نفسك هل أنت من أهل الشقاوة أو من أهل السعادة فانظر في قلبك فإن كنت تصدق بوجود ربك و توحده في ملكه، و تنقاد لمن عرفك به و هو رسوله ٧، فأنت ممن سبقت له الحسني، و إن كنت تنكر،