ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٢٥٦ - ١٠٨ - سبحان من ستر سر الخصوصية بظهور وصف البشرية، و ظهر بعظمة الربوبية في إظهار العبودية
بعد تطهيرها من الأكدار، و تنزيهها عن المساوئ و الأغيار، يغيبون به عن شهود أنفسهم بشهود محبوبهم، و سرها: هو ما احتوى عليه ذلك النور من الكمالات العلية، و النعوت القدسية، و الصفات السنية، التي تليق بالمتحلى به:
كالكبرياء و العز و القوة و العظمة و الإجلال، و كالاتصاف بالقدرة التامة، و العلم المحيط، و سائر أوصاف الكمال، ثم إن الحق سبحانه من عظيم حكمته و باهر قدرته أن ستر تلك الأوصاف اللازمة لذلك النور بظهور أضدادها التي هي أوصاف العبودية، فستر كبرياءه و عظمته بظهور الذل و الفقر و الضعف على العبد، و ستر قدرته و إراداته بظهور العجز و القهرية عليه، و ستر علمه المحيط بظهور الجهل و السهو، إلى غير ذلك من أوصاف العبودية المقابلة لأوصاف الربوبية. فسبحان من جعل الأشياء كامنة في أضدادها، ستر كمالات الربوبية بنقائص العبودية، و لو لا ذلك لكان السر غير مصون، و الكنز غير مدفون، و سيأتي قوله: ستر أنوار السرائر بكثائف الظواهر إجلالا لها أن تبتذل بالإظهار، و أن ينادي عليها بلسان الاشتهار انتهى. و لذلك قال الشيخ أبو العباس المرسي رضي اللّه تعالى عنه: لو كشف عن نور الولي لعبد من دون اللّه. و ثبت عن الشيخ أبي يزيد رضي اللّه تعالى عنه أنه لما تجلى له هذا النور قال: سبحاني ما أعظم شأني. و قال الحلاج رضي اللّه تعالى عنه:
|
أنا أنت بلا شكّ |
فسبحانك سبحاني |
|
|
و توحيدك توحيدي |
و عصيانك عصياني |
|
و قال أيضا:
|
سبحان من أظهر ناسوته |
سرّ سناء لاهوته الثّاقب |
|
|
ثمّ بدا في خلقه ظاهرا |
في صورة الآكل و الشارب |
|
|
حتّى لقد عاينه خلقه |
كلحظة الحاجب بالحاجب |
|
و بإظهار هذا و أمثاله قتل رضي اللّه تعالى عنه، فمن لطف اللّه تعالى و رحمته