ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٣٦٨ - ١٧١ - إلى المشيئة يستند كل شيء، و ليست تستند هي إلى شيء
من هو من أهله، و مختص به فقال: إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [الأعراف: ٥٦]، فالرحمة هنا هي العناية السابقة، و هي قريبة من المحسنين الذين أحسنوا عبادة ربهم، و أحسنوا إلى عباد ربهم. فتحصل أن سر العناية إنما تظهر على المحسنين المتقنين لأعمالهم المخلصين في عبودية ربهم، فمن استند إلى الحكم السابق و ترك العمل فهو مغرور أو مطرود لإبطاله الحكمة، و من استند إلى العمل دون النظر للقدرة و المشيئة السابقة فهو جاهل بعيد عن الحضرة غافل، و من جمع بينهما فهو محقق كامل، و سر العناية إليه إن شاء اللّه واصل. قال أبو عثمان المغربي رضي اللّه تعالى عنه: قلوب العارفين فارغة لمفاجأة المقدور. و قال بعضهم: ليس كل من طلب نال، و لا كل من نال وصل، و لا كل من وصل أدرك، و لا كل من أدرك وجد، و لا كل من وجد سعد، و كم من واحد حرم من المنى بمنى، و كم من واحد أدرك من القربات غرفات، و من أيّد بالتوفيق وصل في لحظة العين إلى عين القبول، كما حكي عن بعض الصالحين أنه رأى في منامه إبليس اللعين ضج بالصياح و العويل، فاجتمع عليه جنوده، و قالوا: ما لك؟ فقال لهم: كنت أطمع في فلان منذ سنين، فإذا به قد استوى ظاهره و باطنه و سره و علانيته فلم أجد إليه سبيلا تحلى بالصدق، فامتنع مني في مقعده: فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ [القمر: ٥٥]، انتهى. ثم بين ما تقدم من حكم المشيئة، فقال:
١٧١- إلى المشيئة يستند كلّ شيء، و ليست تستند هي إلى شيء.
قلت: المشيئة و الإرادة شيء واحد و إليهما تستند الأشياء كلها، قال تعالى: وَ ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ [الإنسان: ٣٠]، وَ لَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ [الأنعام: ١١٢]، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على سبق المشيئة لكل شيء، و أما هي فلا تستند إلى شيء، و لا تتوقف على شيء، فلا تتوقف على سؤال و لا على طلب، فما شاء اللّه كان من غير سبب و لا سؤال، و ما لم يشأ ربنا لم يكن، قرب من شاء بلا عمل، و بعد من شاء بلا سبب، لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَ هُمْ يُسْئَلُونَ [الأنبياء: ٢٣]، فقاعدة التحقيق ما ثمّ إلا سابقة التوفيق.