ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٢١٤ - ٨٤ - متى فتح لك باب الفهم في المنع عاد المنع عين العطاء
الحي القيوم، و ربما منعك من كثرة العلوم و أعطاك الأنس بالحي القيوم، فأحطت بكل مجهول و معلوم. ربما أعطاك عز الدنيا و منعك عز الآخرة، و ربما منعك من عز الدنيا و أعطاك عز الآخرة. ربما أعطاك التعزز بالخلق، و منعك من التعزز بالحق، و ربما منعك من التعزز بالخلق و أعطاك التعزر بالملك الحق. ربما أعطاك خدمة الكون، فمنعك من شهود المكّون، و ربما منعك من خدمة الكون، و أعطاك شهود المكوّن. ربما أعطاك التصرف في الملك و منعك دخول الملكوت، و ربما منعك من التصرف في الملك و منحك شهود الملكوت. ربما أعطاك أنوار الملكوت فمنعك الترقي إلى بحر الجبروت، و ربما حجب عنك أنوار الملكوت فأعطاك الدخول إلى حضرة الجبروت، ربما أعطاك القطبانية و منعك التمتع بشهود الفردانية، و ربما منعك القطبانية، و متعك بشهود سر الوحدانية، إلى غير ذلك مما لا يحصيه إلا علام الغيوب. قال ابن العربي الحاتمي رضي اللّه تعالى عنه:
إذا منعت فذاك عطاؤه، و إذا أعطيت فذاك منعه، فاختر الترك على الأخذ انتهى. و شاهده قوله تعالى: وَ عَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة: ٢١٦]، فإذا فهمت هذا علمت أن المنع هو العطاء كما بينه بقوله:
٨٤- متى فتح لك باب الفهم في المنع عاد المنع عين العطاء[١].
قلت: إذا فهمت أيها العبد عن اللّه بعد تحققك برحمته و رأفته و كرمه وجوده و نفوذ قدرته و إحاطة علمه علمت أنك إذا سألته شيئا أو هممت بشيء أو احتجت إلى شيء فمنعك منه، فإنما منعك ذلك رحمة بك و إحسانا إليك، إذ لم يمنعك من بخل و لا عجز و لا جهل و لا غفلة، و إنما ذلك حسن نظر إليك، و إتمام لنعمته عليك لكونه أتم نظرا و أحمد عاقبة: وَ عَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَ هُوَ
[١] - أثبتها الشارح رضي اللّه تعالى عنه بلفظ" هو عين العطاء". قال العلامة خلف اللّه إن لفظة" هو" محذوفة في بلقي نسخ التصحيح. و ما أثبتناه أصوب و أبلغ، و اللّه تعالى أعلم. و في شرح سيدي زروق أثبتها بلفظ" هو" و ليس ببعيد.