ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٣١٧ - ١٣٨ - لو لا ظهوره في المكونات ما وقع عليها وجود الصفات، و لو ظهرت صفاته اضمحلت مكوناته
|
تجليت بالتحقيق في كل صورة |
ففي كل شيء من جمالي لوامع |
|
|
فما الكون في التمثال إلا كدحية |
تصور روحي فيه شكل مخادع |
|
و يسمون هذه الأسرار التي قامت بها الأكوان معاني، و يسمون الأكوان أواني حاملة للمعاني، فلو ظهرت المعاني لاضمحلت الأواني، و من وقف مع حس الأواني حجب عن أسرار المعاني، و في ذلك يقول الششتري رضي اللّه تعالى عنه:
|
لا تنظر إلى الأواني |
و خض بحر المعاني |
|
|
علّك أن تراني |
و قال ابن الفارض رضي اللّه تعالى عنه:
|
و لطف الأواني في الحقيقة تابع |
للطف المعاني و المعاني بها تسمو |
|
فالأواني كلها في الحقيقة تابعة للطف المعاني لأنها منها، و إنما تكثفت في حق أهل الحجاب الذين وقفوا مع ظواهر الأشياء، و اشتغلوا بخدمة الحس قلبا و قالبا، فعظم عليهم الحس و قويت دائرة حسهم و غلظ الحجاب في حقهم، فعبادتهم حسية، و فكرتهم حسية، و ذلك لصحبتهم أهل الحس، و لو صحبوا أهل المعاني لاشتغلوا بخدمة المعاني حتى تتلطف لهم الأواني.
قال شيخ شيوخنا سيدي علي الجمل رضي اللّه تعالى عنه: سألت الشيخ يعني سيدي العربي بن عبد اللّه رضي اللّه تعالى عنه فقلت: يا سيدي كنت أظن أنه لا يشفي غليل الإنسان إلا الحس يعني العبادة الحسية، و لا ظننت قط أن فعل المعاني يشفي الغليل أبدا، و الآن وجدت نفسي بالعكس لا يشفي غليلها إلا المعاني، فأجابني بأن قال: يا ولدي لما كانت همتك مشورة للحسيات، أمدك اللّه فيها فصرت لا تقنع إلا بالحسيات، و الآن انعكس الأمر لما وافقت أهل المعاني أثرت معرفتهم فيك بتشوير همتك لبلاد المعاني، و لما انقلبت همتك عن بلاد الحس و شورت لبلاد المعاني أمدك اللّه فيها فصرت تقطع بالمعاني، كما كنت تقطع بالحسيات انتهى مختصرا. فكل من صحب أهل المعاني و انقلبت همته لبلاد المعاني، حتى صارت عبادته باطنية معنوية تلطفت في حقه الأواني و لم ير إلا المعاني. قلت: و مما منّ اللّه عليّ بصحبة أهل المعاني أني إذا نظرت إلى الكون بعين بصيرتي من عرشه إلى فرشه ذاب و تلاشى و لم يبق له أثر،