ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٣١٦ - ١٣٨ - لو لا ظهوره في المكونات ما وقع عليها وجود الصفات، و لو ظهرت صفاته اضمحلت مكوناته
و اضمحلت، و في الحديث: «حجابه النور، لو كشف عنه لأحرقت سبحات وجهه كلّ شيء أدركه بصره[١]» انتهى. و هذا معنى قوله: لو ظهرت صفاته اضمحلت مكوناته: أي لو ظهرت نعوته الأصلية الأزلية لاضمحلت المكونات الحديثة، إذ الكائنات كلها تكثيف للأسرار اللطيفة، التي هي نعوت الخمرة الأزلية، التي أشار إليها ابن الفارض في خمريته بقوله:
|
صفاء و لا ماء و لطف و لا هوى |
و نور و لا نار و روح و لا جسم |
|
|
تقدم كل الكائنات حديثها |
قديما[٢] و لا شكل هناك و لا رسم |
|
فلو ظهرت الأسرار اللطيفة لتلاشت الكائنات الكثيفة، إذ لا ظهور للكثيف إذا رجع لطيفا، و ما مثال الكون إلا كالثلجة ظاهرها جامد و باطنها مائع، فإذا ذوبت الثلجة رجعت إلى أصلها ماء و لم يبق للثلجة أثر، فكذلك المكونات الحسية إذا ظهرت أسرارها اللطيفة التي قامت بها ذابت ذواتها الكثيفة و تلاشت و رجعت لأصلها، و إلى هذا المعنى أشار صاحب العينية بقوله:
|
و ما الكون في التمثال إلا كثلجة |
و أنت لها الماء الذي هو نابع |
|
|
فما الثلج في تحقيقنا غير مائه |
و غيران في حكم دعته الشرائع |
|
|
و لكن بذوب الماء يرفع حكمه |
و يوضع حكم الماء و الأمر واقع |
|
فمن وقف مع ظاهر الثلجة أنكر الماء الذي في باطنها و كان جاهلا بحقيقتها، و من نفذ إلى باطنها عرف أصلها و فرعها، و كذلك الأكوان ظاهرها غرة لمن وقف مع كثافتها و باطنها عبرة لمن نفذ إلى أصلها، قد مثلوا أيضا الكون بصورة جبريل حين كان يتصور في صورة دحية، فمن رآه كثيفا قال: دحية و أنكر أن يكون ملكا، و من عرف أصله لم ينكره و لم يقف مع ظاهره، فإذا تلطف و رجع إلى أصله ذهبت تلك الصورة و اضمحلت، فكذلك الكون إنما هو خيال، فما دام موجودا في الحس رأى و ظهر، فإذا رجع إلى أصله بظهور أسراره التي قام بها اضمحل، و لم يبق له أثر، و قد أشار إلى هذا صاحب العينية أيضا بقوله:
[١] - رواه مسلم( ١/ ١٦١).
[٢] - بالمطبوع" قديم" و الصحيح ما أثبتناه.