ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ١٧٢ - ٦٥ - خف من وجود إحسانه إليك، و دوام إساءتك معه أن يكون ذلك استدراجا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون القلم ٤٤
الإيمان كفرا انتهى. فإن غفل العبد عن شكر هذه النعم، ثم دامت صورتها عنده، فلا يغتر فقد يكون ذلك استدراجا، كما أشار إلى ذلك بقوله:
٦٥- خف من وجود إحسانه إليك، و دوام إساءتك معه أن يكون ذلك استدراجا: سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ [القلم: ٤٤].
الاستدراج: هو كمون المحنة في عين المنّة، و هو مأخوذ من درج الصبي أي أخذ في المشي شيئا بعد شيء، و منه الدّرج الذي يرتقى عليه إلى العلو. كذلك المستدرج هو الذي تؤخذ منه النعمة شيئا بعد شيء و هو لا يشعر. قال اللّه تعالى: سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ [القلم: ٤٤]، أي نأخذهم بالنعم حتى نجرهم إلى النقم و هم لا يشعرون، قاله الشيخ زروق رضي اللّه تعالى عنه.
فخف أيها المريد من دوام إحسان الحق إليك بالصحة و الفراغ و سعة الأرزاق، و دوام الأمداد الحسية أو المعنوية، مع دوام إساءتك معه بالغفلة و التقصير، و عدم شكرك للملك الكبير أن يكون ذلك استدراجا منه تعالى؛ قال تعالى:
سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ [القلم: ٤٤]. قال سهل بن عبد اللّه رضي اللّه تعالى عنه: نمدهم بالنعم و ننسيهم الشكر عليها، فإذا ركنوا إلى النعمة و حجبوا عن المنعم أخذوا. و قال ابن عطاء رضي اللّه تعالى عنه: كلما أحدثوا خطيئة جددنا لهم نعمة و نسّيناهم الاستغفار من تلك الخطيئة، ثم قال الحق تعالى:
وَ أُمْلِي لَهُمْ [القلم: ٤٥]، أي نمدهم بالعوافي و النعم، حتى نأخذهم بغتة قال تعالى: فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ [الأنعام: ٤٤]، أي فلما غفلوا عما ذكّروا به من العقوبة و العذاب فتحنا عليهم أبواب النعم و بسطنا عليهم الأرزاق الحسية، حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا [الأنعام: ٤٤]، من النعم و تمكنوا منها فَأَخَذْناهُمْ بالهلاك بَغْتَةً أي فجأة فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ آيسون من كل خير، و هكذا عادة اللّه في خلقه أن يرسل إليهم من يذكّرهم باللّه، و يدلهم