ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٢١٠ - و لا يقف على حدود الأدب في البسط إلا قليل
أوصاف قهره. و من آداب البسط: كف الجوارح عن الطغيان، و خصوصا جارحة اللسان، فإن النفس إذا فرحت بطرت و خفت و نشطت، فربما تنطق بكلمة لا تلقي لها بالا، فتسقط في مهاوي القطيعة بسبب سوء أدبها، و لذلك كان البسط مزلة أقدام، فإذا أحس المريد بالبسط، فليلجم نفسه بلجام الصمت، و ليتحل بحلية السكينة و الوقار و ليدخل خلوته و ليلتزم بيته، فمثل الفقير في حالة البسط و القوة كقدر غلى وفار، فإن تركه يغلي أهرق إدامة و بقي شاحطا، و إن كفه و أخمد ناره بقي إدامه تاما، كذلك الفقير في حالة القوة و البسط، يكون نوره قويّا و قلبه مجموعا، فإذا تحرك و بطش و تتبع قوته برد و رجع لضعفه، و ما ذلك إلا لسوء أدبه، و اللّه تعالى أعلم. و لأجل هذا كان العارفون يخافون من البسط أكثر من القبض، كما نبه عليه بقوله:
٨١- العارفون إذا بسطوا أخوف منهم إذا قبضوا.
قلت: كل من فتح عليه في شهود المعاني فهو عارف، فإن تمكن من شهود المعنى على الدوام فهو واصل متمكن، و إلا فهو سائر، و إنما كان العارف إذا انبسط أخوف منه إذا انقبض، لأن القبض من شأنه أن يقبض النفس عن حظوظها، و من شأنه أيضا السكون، و السكون كله أدب، و من شأن البسط أن يبسط النفس و ينشطها، فربما تبطش لما فيه حظها فتزل قدم بعد ثبوتها بسبب قلة آدابها، و لذلك قال:
[و لا يقف على حدود الأدب في البسط إلا قليل].
قلت: و هم أهل الطمأنينة و التمكين، لأنهم كالجبال الرواسي، لا يحركهم قبض و لا بسط، فهم مالكون الأحوال لا يخرجهم القبض و لا البسط عن حالة الاعتدال بخلاف السائرين، و إن كانوا عارفين فإنهم ربما تؤثر فيهم الواردات فيرد عليهم وارد البسط فيخرجهم عن حد الأدب، و قد قيل: قف على