ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٢٠٨ - ٨٠ - بسطك كي لا يبقيك مع القبض، و قبضك كي لا يتركك مع البسط، و أخرجك عنهما كي لا تكون لشيء دونه
و سكنت تحت قهره و أنست بأمره أخرجك إلى البسط لئلا يحترق قلبك، و يذوب جسمك، فإذا حبسك البسط و فرحت به، و أنست بجماله قبضك لئلا يتركك مع البسط، فتسيء الأدب و تجر إلى العطب، إذ لا يقف مع الأدب في البسط إلا القليل. هكذا يسيرك بين شهود جلاله و جماله، فإذا شهدت أثر وصف الجلال انقبضت، و إذا شهدت أثر وصف الجمال انبسطت.
ثم يفتح لك الباب و يرفع بينك و بينه الحجاب، فتتنزه في كمال الذات و شهود الصفات، فتغيب عن أثر الجلال و الجمال بشهود الكبير المتعال، فلا جلاله يحجبك عن جماله و لا جماله يحجبك عن جلاله، و لا ذاته تحبسك عن صفاته و لا صفاته تحبسك عن ذاته، تشهد جماله في جلاله و جلاله في جماله، و تشهد ذاته في صفاته و صفاته في ذاته. أخرجك عن شهود أثر الجلال و الجمال لتكون عبدا للّه في كل حال. أخرجك عن كل شيء لتكون حرّا من كل شيء و عبدا له في كل شيء، و أنشدوا:
|
حرام على من وحّد الله ربّه |
و أفرده أن يحتذي أحدا رفدا |
|
|
فيا صاحبي قف بي على الحقّ وقفة |
أموت بها وجدا و أحيا بها وجدا |
|
|
و قل لملوك الأرض تجهد جهدها |
فذا الملك: ملك لا يباح و لا يهدى |
|
قال فارس رضي اللّه تعالى عنه: القبض أولا، ثم البسط ثانيا، ثم لا قبض، و لا بسط، لأن القبض و البسط لمعان في الوجود، و أما مع الفناء و البقاء فلا انتهى. و اعلم أن القبض و البسط لهما آداب، فإذا أساء فيهما الأدب طرد إلى الباب، أو إلى سياسة الدواب. فمن آداب القبض الطمأنينة و الوقار و السكون تحت مجاري الأقدار، و الرجوع إلى الواحد القهار، فإن القبض شبيه بالليل، و البسط شبيه بالنهار، و من شأن الليل الرقاد و الهدوء و السكون و الحنو، فاصبر أيها المريد، و اسكن تحت ظلمة ليل القبض حتى تشرق عليك شموس نهار البسط، إذ لا بد لليل من تعاقب النهار و لا بد للنهار من تعاقب الليل: يُولِجُ