ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٢٠٦ - ٧٩ - مطلب العارفين من الله تعالى الصدق في العبودية، و القيام بحقوق الربوبية
بحيث لا تبقى فيهم بقية. إذ المكاتب عبد ما بقي عليه درهم، فما دام العبد مسجونا بمحيطاته محصورا في هيكل ذاته لا تنفك عنه الحظوظ، إما دنيوية أو أخروية، فلا تتحقق عبوديته للّه، و فيه عبودية لحظوظه و هواه، فلا يكون صادقا في عبوديته، و هو مملوك لحظ نفسه، فإذا قال أنا عبد اللّه نازعته حظوظه و هواه، فلا تتحقق عبوديته للّه حتى يتحرر من رق الأكوان، و يتحقق بمقام الأحرار من أهل العرفان، فحينئذ يكون سالما للّه، حرّا مما سواه، قال اللّه تعالى: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ [الزمر: ٢٩]، أي متخاصمون: وَ رَجُلًا سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا [الزمر: ٢٩]، أي لا يستويان أبدا إذ العبد الخالص لسيد واحد يكون أحظى و أعز و أقرب من العبد المشترك، و كذلك العبد الخالص للّه أحظى بمحبة مولاه. و قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم: «تعس» أي خاب و خسر: «عبد الدّينار و الدّرهم و الخميصة إذا أعطي رضي، و إذا لم يعط سخط، تعس و انتكس، و إذا شيك، فلا انتقش[١]» أي إذا أصابته شوكة، فاللّه لا يخرجها منه بالنقش عليها، و هو دعاء على من حظه هواه بالتنكيس، و عدم الخروج مما يقع فيه. و قال أبو سليمان الداراني رضي اللّه تعالى عنه: شتان بين من همه الحور و القصور، و بين من همه الحضور و رفع الستور انتهى. و لأجل هذا كان مطلب العارفين إنما هو التحقق بالعبودية لمولاهم، بالتحرر من رق هواهم، و القيام بوظائف الربوبية بالأدب و التعظيم و الإجلال لمولاهم، و هما متلازمان، فمهما تحقق الصدق في العبودية حصل القيام بوظائف الربوبية، فإن النفس إذا ماتت بترك حظوظها حييت الروح، و إذا حييت الروح عرفت، و إذا عرفت أذعنت و خضعت لهيبة الجلال، و هذا هو القيام بحقوق الربوبية، و هو مراد العارفين و مقصود السائرين، و محط نظر القاصدين و الطالبين. قيل لبعضهم: ما مراد العارف؟ قال: مراد معروفه انتهى. أي لا يريد
[١] - رواه البخاري( ٣/ ١٠٥٧)، و الطبراني في الأوسط( ٤/ ٢٣٦).