ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ١٨٦ - ٦٩ - قلما تأتي الواردات الإلهية إلا بغتة، صيانة لها، لئلا يدعيها العباد بوجوب الاستعداد
الباب الثامن
و قال رضي اللّه تعالى عنه:
٦٩- قلّما تأتي الواردات الإلهيّة إلا بغتة، صيانة لها، لئلا يدّعيها العباد بوجوب الاستعداد.
قال القشيري رضي اللّه تعالى عنه: الوارد: هو ما يرد على القلوب من الخواطر المحمودة مما لا يكون للعبد فيه تحمّل، و الواردات أعمّ من الخواطر، لأن الخواطر تختصّ بنوع خطاب، أو ما تضمن معناه، و الواردات تكون وارد سرور، و وارد حزن، و وارد قبض، و وارد بسط إلى غير ذلك من المعاني، و هو قريب من الحال. و سئل الشيخ عبد القادر الجيلاني نفعنا اللّه تعالى بذكره عن صفات الواردات الإلهية و الطوارق الشيطانية، فقال: الوارد الإلهي لا يأتي باستعداد، و لا يذهب بسبب، و لا يأتي على نمط واحد، و لا في وقت واحد، و الطوارق الشيطانية بخلاف ذلك غالبا انتهى. قلت: و المراد به هنا نوع خاص، و هو نفحات إلهية يهب نسيمها على القلوب و الأرواح و الأسرار فتغيب القلوب في حضرة علام الغيوب، و تغيب الأرواح و الأسرار في جبروت العزيز الجبار، فتطيش فرحا و سرورا، و ترقص شوقا و حبورا:
|
إذا اهتزت الأرواح شوقا إلى اللّقا |
ترّقّصت الأشباح يا جاهل المعنى[١] |
|
و قلما تكون هذه الواردات الإلهية إلا بغتة لأنها لا تنال باكتساب، و إنما هي فتح من الكريم الوهاب، و لو كانت تنال بجد و اجتهاد لا دعاها العبّاد و الزهاد بوجوب التأهب و الاستعداد، فتصير حينئذ مكاسب، و الأحوال و الواردات إنما هي مواهب، يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَ اللَّهُ ذُو الْفَضْلِ
[١] - انظر رسالة الإمام عبد الوهاب الشعراني في السماع لبيان الفرق بين السماع الشرعي المحمود و الطبيعي غير المحمود حيث فرق بينهما بقريب من هذا المعنى.