ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٣٧٢ - ١٧٤ - ورود الفاقات أعياد المريدين
و ذلك لأن اللّه سبحانه ليس بغافل حتى يذكر، بل هو عليم بخفيات أمورك، فيأتيك منها ما قسم لك، كما بين ذلك بقوله:
١٧٣- إنما يذكّر من يجوز عليه الإغفال.
و قد قال تعالى: وَ مَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [البقرة: ٧٤]، أَ لَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ [الزمر: ٣٦]، و لا يحتاج إلى تنبيه، لأنه لا يهملك فيما هو من قسمتك، كما بينه بقوله:
[و إنّما ينبّه من يجوز عليه الإهمال]. و الحق تعالى لا يجوز عليه الإهمال لكمال قدرته و إحاطة علمه، و لكن حكمته اقتضت ارتباط الأسباب و العلل و تقديم الأشياء و تأخيرها، قال تعالى: وَ كُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ [الرعد: ٨]، فمن كمل يقينه اكتفى بتدبير الحق عن تدبيره، و استغنى بعلم اللّه عن استعجاله، و رضي بتصريف الحق فيما يفعل، فيكون إبراهيميّا حنيفيّا، و لا شك أن من كان على ملة إبراهيم ٧ اقتدى به، و قد كان بين السماء و الأرض حين رمى به، فاستغنى بعلم اللّه عن سؤاله، فكانت حالة إبراهيم ٧ في ذلك الوقت الاستغراق في الحقيقة، فلما رد للشرائع دعا فقال: رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَ لِوالِدَيَّ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ [إبراهيم ٤١]، رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَ أَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ [الشعراء: ٨٣]، و كذلك الأنبياء : أكثروا من الدعاء للتشريع و التعليم و إظهار الفاقات، التي هي مواسم و أعياد كما أبان ذلك بقوله:
١٧٤- ورود الفاقات أعياد المريدين.
قلت: الأعياد جمع عيد: و هو ما يعود على الناس بالأفراح و المسرة، فالعوام فرحهم و مسرتهم بالحظوظ و العوائد الجسمانية، و الخواص فرحهم بإقبال الملك عليهم، و وجود قلوبهم و صفاء وقتهم من كدرات الأغيار، و الغالب أن هذه المعاني إنما توجد عند الفاقة و الحيرة و الاضطرار، حيث ينقطع حظ النفس فيها، لأن النفس كلما ضيقت عليها رحلت إلى عالم الملكوت، و في ذلك العالم راحتها و فرحها و مسرتها، قال تعالى: وَ أَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَ نَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى* فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى [النازعات ٤٠: ٤١]، و هما جنتان معجلة