ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٣٤٦ - ١٥٧ - ربما أطلعك على غيب ملكوته، و حجب عنك الاستشراف على أسرار العباد
«ربّ أشعث أغبر ذي طمرين لو أقسم على اللّه لأبرّه[١]»، في قسمه. فمن أراد معرفته بالصورة فلا يعرفه، لأنه لا يرى إلا بشرا يأكل الطعام و يمشي في الأسواق، فالعين لا ترى إلا الأجسام الكثيفة التي يطرأ عليها ما يطرأ على أهل الحجاب، و لم يدرك ما انطوت عليه الصورة من المعاني اللطيفة، و الأسرار المنيفة. فمن أراد اللّه سعادته رزقه الاعتقاد و التصديق أولا، ثم الهداية و التوفيق ثانيا، فالتصديق بأسرار الولاية أول المعرفة، و لهذا قال الشيخ أبو الحسن رضي اللّه تعالى عنه: التصديق بطريقتنا هذه ولاية. و قال بعضهم: للّه رجال لا يعرفهم إلا الخاصة، و للّه رجال يعرفهم الخاصة و العامة، و للّه رجال لا يعرفهم لا الخاصة و لا العامة؛ و للّه رجال أظهرهم في البداية و سترهم في النهاية، و للّه رجال سترهم في البداية و أظهرهم في النهاية، و للّه رجال لا يعرفهم سواه و لا يطلع على ما بينه و بينهم إلا الحفظة الكرام، الذين و كلوا بحفظ السرائر، و للّه رجال اختص اللّه بمعرفتهم لا يظهر حقيقة ما بينه و بينهم للحفظة فمن سواهم حتى يلقونه، فهم شهداء الملكوت الأعلى، و هم المقربون، و هم الذين يتولى اللّه قبض أرواحهم بيده، و هم الذين طابت أجسامهم من طيب أرواحهم، فلا يعدو عليها الثرى حتى يبعثون مشرقين بأنوار البقاء المجعول فيهم ببقاء الأبد مع الباقي الأحد، و هم المخفقون تحت حجاب الأنس، المغموسون في بحار المحبة و القدس، فليس لهم مع غيره قرار، و لا عن أنفسهم إخبار، تولى اللّه شأنهم: وَ مَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ [المائدة: ٥٦] انتهى. قال الشطيبي رضي اللّه تعالى عنه: و هذه الأسرار التي انطوت عليها أسرار الأولياء و احتجبت عن العامة هي أسرار الملكوت الغيبية التي أشار إليها بقوله:
١٥٧- ربّما أطلعك على غيب ملكوته، و حجب عنك الاستشراف على أسرار العباد.
قلت: الملكوت مبالغة في الملك، هذا باعتبار اللغة، و أما باعتبار اصطلاح الصوفية فالعوالم ثلاثة:
ملك و ملكوت و جبروت: فالملك ما يدرك بالحس و الوهم، و الملكوت ما يدرك بالعلم و الفهم،
[١] - سبق تخريجه.