ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٥٩١ - ٣٧١ - فانصرني، و عليك أتوكل
و الشرك: تعلق القلب بالأسباب عند غفلته عن مسبب الأسباب تعلق الصيد بالشرك و يكون مبدأ ذلك هيجان الشهوة عند استيلاء ظلمة الشك على القلب، فيحلو له الهوى فيفزع إذ ذاك إلى الأسباب التي يتوصل بها إلى بغيته لا يرى غيرها، فيشتبك من أجل ذلك في حبائل الشرك و طهارته منه بضده، و هو نور التوحيد الذي يقذفه الحق تعالى في قلبه، فتطمئن بذلك نفسه، و تسكن من الشره و الطيش الذي أصابها، و كلما قوى التوحيد في قلبه كان خلاصه من الشرك أكثر، فتمحي من قلبه الأسباب و يثبت فيه خالص التوحيد، فإذا تطهر العبد من الشرك و الشك تولاه اللّه بالهداية و التسديد و المعونة و التأييد. و في أخبار داود ٧ أن اللّه تعالى أوحى إليه: يا داود هل تدري متى أتولاهم، إذا طهروا قلوبهم من الشرك، و نزعوا من قلوبهم الشك انتهى. و يحتمل أن الشيخ إنما طلب طهارته من الشك و الشرك عند نزول الدواهي الطوام، لأنها مظنة الشكوك و الأوهام، فلا يشك في لطف اللّه عند نزول قدره، و لا يتعلق بسبب و لا غيره، فيكون إبراهيميّا حنيفيّا إذا ألقى في نار الجلال و قال له الكون ألك حاجة؟ فيقول له بلسان حاله أو مقاله: أما إليك فلا، و أما إلى اللّه فبلى، فإذا قال له: سله يقول له: علمه بحالي يغني عن سؤالي، فلا جرم أن اللّه تعالى يقول لنار الجلال: كوني على وليي بردا و سلاما، فتنقلب جمالا محضا. فإذا تخلص العبد من الشك و الشرك في ذلك الوقت كان موحدا حقيقيّا، و إبراهيميّا حنيفيّا، فلا يعتمد إلا على اللّه، و لا يستنصر إلا به كما قال الشيخ:
٣٧٠- بك استنصر.
لا بغيرك.
٣٧١- فانصرني، و عليك أتوكل.
أي أفوض أموري كلها إليك.