ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٤٣٧ - ٢١٨ - كيف يحتجب الحق بشيء، و الذي يحتجب به هو فيه ظاهر و موجود حاضر؟
البداية من حضرة الرحيم أو الحليم أو الجميل ما أمكن أن يدفع بحكمة اللّه ما صادمه من الباطل، و شبه الشيخ الباطل و هو كل ما سوى اللّه بحيوان له دماغ، فإذا ضرب دماغه و تشتت مات، كذلك الباطل إذا صادمه الحق أهلكه، و تشتت دماغه، فالوارد الإلهي محض حق، فإذا صادم الباطل دمغه و قتله، و لذلك أتى بالآية التي نزلت في شأن القرآن مع الكفر، فإن الكفر تشتت و اضمحل حين نزل القرآن، كذلك السوى إذا تجلى الحق بقهرية نوره تشتت و اضمحل.
و كان الشيخ أبو العباس رضي اللّه تعالى عنه كثيرا ما ينشد هذه الأبيات في هذا المعنى:
|
فلو عاينت عيناك يوم تزلزلت |
أرض النفوس و دكّت الأجبال |
|
|
لرأيت شمس الحق يسطع نورها |
عند التزلزل و الرجال رجال |
|
قال: و الأرض: أرض النفوس، و الجبال: جبال العقل، يعني أن الوارد الإلهي إذا ورد قويّا من حضرة قهاريته تعالى دكّ وجود النفوس، و تدكدكت منه جبال العقول، فيكشف له حينئذ عن أسرار خارجة عن مدارك العقول غير مدركة بعبارة النقول، فيصير صاحب هذا الوارد كله حقّا لا يصادم شيئا إلا دمغه. و هذا المعنى قصد شيخ شيوخنا القطب ابن مشيش بقوله:
(و اقذف بي على الباطل فأدمغه)، طلب أن يكون حقّا محضا يقذف به على السوى فيدمغه، فإذا ذهب السوى و اضمحل بقي الحق الذي لا يفنى، ظاهرا لا يخفى، كما أبان ذلك الشيخ، فلله دره ما أدق نظره في مناسبة الكلام و حسن التخليص لكل مقام حيث قال:
٢١٨- كيف يحتجب الحق بشيء، و الذي يحتجب به هو فيه ظاهر و موجود حاضر؟.
قلت: قد كرر الشيخ هذا المعنى في كتابه مرارا تحريضا على الجمع و تحذيرا من الفرق، فقد تقرر أن الحق تعالى ليس محجوبا بشيء، و لا يصح أن يحتجب بشيء؛ إذ لو احتجب بشيء وجودي لكان ذلك من أثر قدرته، و قدرته لا تفارق ذاته، فالصفة لا تفارق الموصوف،