ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ١٠٤ - ٢٧ - من أشرقت بدايته أشرقت نهايته
حريصا على قضائها جاهدا في طلبها، كان ذلك علامة على عدم قضائها و خيبة الرجاء فيها، و عدم نجح نهايتها، و إن قضيت في الحس وكّلت إليها، فتعبت بسببها و لم تعن على شؤونها و مآربها، و هذا كله مجرب صحيح عند العام و الخاص، و هذه الحكمة تتميم لما قبلها و شرح لها، و اللّه تعالى أعلم.
ثم كمل هذه المسألة بقاعدة كلية تصدق بما تقدم و بغيره فقال:
٢٧- من أشرقت بدايته أشرقت نهايته.
قلت: إشراق البداية هو الدخول فيها باللّه، و طلبها باللّه، و الاعتماد فيها على اللّه مع السعي في أسبابها، و الاعتناء في طلبها قياما بحق الحكمة و أدبا مع القدرة، و يعظم السعي في السبب بقدر عظمة المطلب، فبقدر المجاهدة تكون بعدها المشاهدة، وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَ إِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت: ٦٩] إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [الأعراف: ٥٦].
و قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن المجذوب رضي اللّه تعالى عنه: لا تحسبوها رخيصة رآه، و أكل المعشوق غالي، ما تنحصد صابت الصيف، إلا ببرد الليالي، فمن رأيناه في بدايته جادا في طلب الحق معرضا عن الأنس بالخلق مستغرقا في خدمة مولاه، ناسيا لحظوظه و هواه، علمنا أن نهايته مشرقة، و عاقبته محمودة، و مآربه مقضية، و من رأيناه مقصرا في طلب مولاه، لم يخرج عن نفسه و هواه، علمنا أنه كاذب في دعواه، فنهايته الحرمان، و عاقبته الخذلان، إلا أن يتداركه الكريم المنان. هذا في طريق الوصول إلى حضرة الحق. و أما إشراق البداية في طلب حوائج الدنيا أو المقامات أو المراتب أو الخصوصية مثلا، فهو بالزهد فيها، و الإعراض عنها، و الاشتغال باللّه عنها. قال بعضهم: لا تدرك المراتب إلا بالزهد فيها. قال الشيخ أبو الحسن: كنت أنا و صاحب لي نعبد اللّه في مغارة، و نقول في هذا الشهر يفتح اللّه علينا، في هذه الجمعة يفتح اللّه علينا، فوقف علي باب المغارة رجل عليه سمات الخير فقال: السلام عليكم