ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ١٦٢ - ٦١ - ما قادك شيء مثل الوهم
قال في التنوير: و إنما منع العباد من السبق إلى اللّه جواذب التعلق بغير اللّه، فكلما همت قلوبهم أن ترحل إلى اللّه جذبها ذلك التعلق إلى ما به تعلقت، فكرّت راجعة إليه، و مقبلة عليه، فالحضرة محرمة على من هذا وصفه و ممنوعة على من هذا نعته. قال بعض العارفين: لا تظن أن تدخل الحضرة الإلهية، و شيء من ورائك يجذبك. وافهم هنا قوله سبحانه: يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَ لا بَنُونَ* إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء ٨٨: ٨٩]، هو الذي لا تعلق له بشيء دون اللّه و قوله تعالى: وَ لَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ [الأنعام: ٩٤]، يفهم منه أيضا أنه لا يصح مجيئك إلى اللّه بالوصول إليه إلا إذا كنت فردا مما سواه و قوله تعالى: أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى [الضحى: ٦]، يفهم أنه لا يأويك إليه إلا إذا صح يتمك مما سواه، و قوله ٧: «إنّ اللّه وتر يحبّ الوتر[١]»، أي يحب القلب الذي لا يشفع بثنوية الآثار. ثم قال: و قال بعضهم:
لو كلفت أن أرى غيره لم أستطع، فإنه لا غير معه حتى أشهده معه انتهى.
فتحصل أن الوهم حجب عن اللّه العوام و الخواص، و أما خواص الخواص فلم يحجبهم عن اللّه شيء، أما العوام فقادهم إلى التعلق بالخلق و منعهم عن السير إلى الملك الحق فاشتغلوا بمراقبة الأحباب، و عداوة من عاداهم من الأصحاب، ففاتهم محبة الحبيب و مراقبة الرقيب، و أما الخواص فقادهم الوهم إلى ثبوت الآثار و الوقوف مع الأنوار، فقنعوا بذلك، و لم يتشوفوا إلى ما وراء ذلك، فالقناعة من اللّه حرمان، و ليس الخبر كالعيان. و سمعت شيخنا رضي اللّه تعالى عنه يقول: و اللّه ما حجب الناس عن اللّه إلا الوهم، و الوهم أمر عدمي لا حقيقة له انتهى. و أما خواص الخواص فلم يحجبهم عن اللّه شيء، قطعوا حجاب الوهم، و حصل لهم من اللّه العلم و الفهم فلم يتعلقوا بشيء، و لم يحجبهم عن اللّه
[١] - رواه الترمذي( ٢/ ٣١٦)، و النسائي في الكبرى( ١/ ١٧١)، و ابن ماجه( ١/ ٣٧٠)، و البيهقي في الكبرى( ٢/ ٤٦٨)، و الدارمي( ٢/ ٣١٦).