ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٤٥٢ - ٢٢٩ - إنما جعلها محلا للأغيار و معدنا لوجود الأكدار، تزهيدا لك فيها
حبطا[١]» الحديث، فأخبر ٧ أن ظاهر الدنيا خضرة حلوة و باطنها سم قاتل. و قد شبه بعض الحكماء الدنيا بسبعة أشياء: شبهها بالماء المالح يغرق و لا يروي، و يضر و لا ينفع، قلت:
و كذلك الدنيا تغرق صاحبها في حبها و يموت عطشان منها. و شبهها بظل الغمام يغر و يخذل، قلت: و هو الذي يغطي بعض المواضع، فإذا أشرقت الشمس تقشع عنه. و شبهها بالبرق الخاطف يعني في سرعة الذهاب و الاضطراب، و بسحاب الصيف يضر و لا ينفع، و بزهر الربيع يغر بزهرته، ثم يصفر فتراه هشيما، و بأحلام النائم يرى السرور في منامه، فإذا استيقظ لم يجد في يده شيئا إلا الحسرة، و بالعسل المشوب بالسم الزعاف يغر و يقتل انتهى. قال حفيده: فتأملت هذه الحروف السبعة سبعين سنة، ثم زدت فيها حرفا واحدا، فشبهتها بالغول التي تهلك من أجابها و تترك من أعرض عنها انتهى، نقلها ابن عبّاد رضي اللّه تعالى عنه فانظره، ثم علل كون الدنيا محلا للأكدار و الأغيار، فقال:
٢٢٩- إنما جعلها محلا للأغيار و معدنا لوجود الأكدار، تزهيدا لك فيها.
قلت: إنما وسم اللّه الدنيا بهذه الأوصاف من كونها محلا للأغيار و الأحزان، و معدنا لوجود الأكدار و الفتن، تزهيدا لك فيها، فتقبل بكليّتك عليه، و تتوجه بهمتك إليه، أو لتعرض عن الدنيا و تقبل على الآخرة. قال بعضهم: إنما مثل الدنيا كالبحر الهائل المحيط، و الآخرة من وراء ذلك البحر، و لا ينكشف الحجاب عن عين القلب بالنظر إلى الدار الآخرة إلا بعد الجواز على ذلك البحر في سفن الصبر و الرضا، لأنه بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض، يغشاه موج الشهوات، من فوقه موج الغفلات، من فوقه سحاب الكائنات. و أيضا لو بسطت لك الدنيا لكرهت لقاء اللّه، فيكره اللّه لقاءك، و لو بسطت لك العوافي و النعم لركنت الروح إلى هذا العالم، فتبقى دائما في عالم الأشباح، و المقصود منك هو الرحيل إلى عالم الأرواح، فضيق الحق تعالى عليك هذا العالم السفلي لترحل منه بهمتك إلى العالم
[١] - رواه البخاري( ٣/ ١٠٤٥).