ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٥٢٦ - ٣٠٥ - دلها أبو بكر على المقام الأكمل مقام البقاء المقتضى لإثبات الآثار
الصحيح أن الذي قال لها اشكري رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم هي أمها، و في رواية فقالت لي أمي لما نزلت براءتي من السماء: قومي إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم فقلت: و اللّه أقوم إليه و لا أشكر إلا اللّه. و يمكن الجواب بأن ذلك وقع بإشارة أبيها أو قالاه معا أو سكوته كأنه وفاق، و اللّه تعالى أعلم. ثم ذكر الجواب عن امتناعها من شكر الواسطة فقال:
٣٠٥- دلّها أبو بكر على المقام الأكمل: مقام البقاء المقتضى لإثبات الآثار.
قلت: المراد بإثبات الأثر بعد الفناء عنه إثباته باللّه و نفيه باللّه جمعا بين القدرة و الحكمة، و إنما كان هذا أكمل مما قبله؛ لأن هذا حاز المقامين: أعطى القدرة حقها في الباطن و هو الشهود، و الحكمة حقها في الظاهر و هي العبودية فهو سالك بنفسه، دال لغيره، كامل عالم معلم عارف معرف، و هي غاية القصد و الطلب، لأنه مقام الخلافة التامة و المنافع العامة، و لا شك أن الخير العام خير من الخير الخاص، و الخير العام هو الذي يعطي كل ذي حق حقه، و يوفى كل ذي قسط قسطه. و سئل بعضهم عن قوله تعالى: اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ [آل عمران: ١٠٢]، مع قوله تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن: ١٦]، فقال له: اتق اللّه حق تقاته بقلبك، و اتق اللّه بجسمك ما استطعت فتكون جامعا للشريعة و الحقيقة، انتهى. ثم استدل على إثبات الأثر بالكتاب و السنة فقال:
و قد قال اللّه تعالى: (أَنِ اشْكُرْ لِي وَ لِوالِدَيْكَ) [لقمان: ١٤].
فأمر أولا بشكر من تولى نعمة الإيجاد، و أمر ثانيا بشكر من ظهرت على يديه نعمة الإمداد، فالواسطة ثابتة بإثباته، ممحوة بأحدية ذاته، و الآية صريحة في إثبات الواسطة أدبا و الغيبة عنها عقد لأجل التوحيد.
ثم ذكر دليل السنة فقال: