ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٤٣٦ - ٢١٧ - الوارد يأتي من حضرة قهار، لأجل ذلك لا يصادمه شيء إلا دمغه، بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق الأنبياء ١٨
و الشوق، فإنها لا تهدم عوائدها إلا إن كثرت و تزايدت، و تسمى أيضا هذه الواردات نفحات قال صلى اللّه عليه و آله و سلم: «إن للّه نفحات فتعرّضوا لنفحاته[١]»، فمن لم ترد عليه هذه الواردات اختيارا فليتعرض لها بصحبة العارفين أهل الإكسير الذي يقلب الأعيان، فإن صحبهم و لم ترد عليه فليخرق عوائد نفسه من الظاهر، فإنها تدخل منه إلى الباطن، فمتى وردت عليك حينئذ تلك الواردات الإلهية هدمت العوائد عليك و أفسدتها لديك، فترد عزك ذلا، و غناك فقرا، و جاهك خمولا، و رياستك تواضعا و حنوّا، و كلامك صمتا، و لذيذ طعامك خشينا، و شبعك جوعا، و كثرة كلامك صمتا، و قرارك في وطنك سياحة و سفرا، هكذا شأن الوارد الإلهي يخرب العوائد و يهدمها، فهو كملك جبار ذي جيش طغاة، دخل قرية أو مدينة، فأفسد بناءها و غير عوائدها، قال تعالى: إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها: أي نزعوها و خربوها، وَ جَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها، أذلة: أي رؤساءها أتباعا مرؤوسين وَ كَذلِكَ يَفْعَلُونَ [النمل: ٣٤]، أي هذا شأنهم، و الاستشهاد بالآية في غاية الحسن و المناسبة، ثم ذكر الشيخ علة هدم الوارد عوائد الإنسان فقال:
٢١٧- الوارد يأتي من حضرة قهّار، لأجل ذلك لا يصادمه شيء إلا دمغه، بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ [الأنبياء: ١٨].
قلت: إنما كان الوارد الذي يرد على قلوب السائرين أو الطالبين قويّا شديدا، لأنه يأتي من حضرة اسمه تعالى القهار ليدمغ بقهريته كل ما وجد في النفس أو القلب من الأغيار، و إنما قلنا:
من حضرة اسمه القهار لأن الحق تعالى له حضرات بعدد أسمائه، فاسمه تعالى القهار يتجلى من حضرة قهريته، و اسمه جميل يتجلى من حضرة جماله، و اسمه جليل يتجلى من حضرة جلاله، و اسمه رحيم يتجلى من حضرة رحمته، و اسمه الحليم يتجلى من حضرة حلمه، و اسمه الكريم يتجلى من حضرة كرمه، و هكذا فكل اسم يخرج تجليه على وفق حضرته، قال تعالى: وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ [الحجر: ٢١]. و لو كان هذا الوارد الذي يرد على قلوب أهل
[١] - رواه الطبراني في الكبير( ١٩/ ٢٣٣)، و في الأوسط( ٦/ ٢٢٢).