ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٢٦٨ - ١١٤ - الغافل إذا أصبح نظر في ما ذا يفعل، و العاقل ينظر ما ذا يفعل الله به
|
إن تلاشى الكون عن عين قلبي |
شاهد السرّ غيبه في بيان |
|
|
فاطرح الكون عن عيانك وامحو |
نقطة الغين إن أردت تراني |
|
فبقدر صفائها و محوها يكون تمام إشراق نورها، فإذا انجلت عن سماء القلوب سحب الآثار و غيم الأغيار أشرق فيها نور الفناء، فيغيب القلب و الروح عن الرسوم، و لم يبق إلا الحي القيوم، و إذا انجلت عن الأسرار غين الأنوار أشرق فيها نور البقاء، فيفنى من لم يكن، و يبقى من لم يزل، و لصاحب العينية رضي اللّه تعالى عنه:
|
فنيت بها عنّى فما لي أنيّة |
هويّة ليلي للأنّية قاطع |
|
|
و كنت كما أن لم أكن و هو أنّه |
كما لم يزل فردا و للكلّ جامع |
|
|
فشمسي في أفق الألوهة مشرق |
و بدري في شرق الربوبة طالع |
|
|
فأفنيتها حتّى فنت و هي لم تكن |
و لكنّني بالوهم كنت أطالع |
|
فعلامة شروق هذه الأنوار ترك التدبير و الاختيار، و الاكتفاء بنظر الواحد القهار، كما أشار إليه بقوله:
١١٤- الغافل إذا أصبح نظر في ما ذا يفعل، و العاقل ينظر ما ذا يفعل اللّه به.
قلت: الغافل: هو الجاهل باللّه، و لو كثر ذكره باللسان، و العاقل: هو العارف باللّه، و لو قل له ذكر اللسان، إذ المعتبر هو ذكر الجنان، فالغافل نفسه موجودة، و آماله ممدودة، إذا أصبح نظر ما ذا يفعل بنفسه، فيدبر شئونه و مآربه بعقله و حدسه، فهو ناظر لفعله، معتمد على حوله و قوته، فإذا فسخ القضاء ما أبرمه، و هدم له ما أمله غضب و سخط و حزن و قنط، فنازع ربه و أساء أدبه، فلا جرم أنه يستحق من اللّه البعد، و يستوجب في قلبه الوحشة و الطرد، إلا إن حصل له إياب، و أدام الوقوف بالباب حتى يرفع عنه الحجاب، فحينئذ يلتحق بالأحباب.