ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٤٦٧ - ٢٣٧ - جعله لك عدوا ليحوشك به إليه
دوام إقبالك عليه، و سيأتي: لو لا ميادين النفوس ما تحقق سير السائرين، فالنفس و الشيطان نعمتان في الباطن، إذ لولاهما ما تحركت إليه، و لا تحقق سيرك إليه، و لذلك كان شيخ شيخنا مولاي العربي رضي اللّه تعالى عنه إذا اشتكى إليه أحد بالنفس يقول: أما أنا فجزى اللّه عني نفسى خيرا ما علي إلا فضل اللّه و فضلها، و اللّه ما ننسى جميلها، يشير لهذا المعنى الذي ذكرناه، و هما نقمتان في الظاهر لمن وقف معهما و حجب بهما. و الحاصل: أن النفس و الشيطان و الدنيا و الناس قواطع لمن قطعوا به الطريق، موصلات للحضرة لمن وقف للتحقيق، و سبق له من اللّه التوفيق، و النفس أصعب من الشيطان، لأنه عدو متصل و أنت به شفيق، فهي أقبح من سبعين شيطانا في قطع الطريق. و ذكر ابن القسطلاني عن أحمد بن سهل رحمه اللّه أنه قال: أعداؤك أربعة: أولها: الدنيا، و سلاحها لقاء الخلق، و سجنها الخلوة. الثاني: الهوى، و سلاحه الكلام، و سجنه الصمت. الثالث: الشيطان، و سلاحه الشبع، و سجنه الجوع. الرابع: النفس، و سلاحها النوم، و سجنها السهر. و قد نظم بعضهم هذه القواطع فقال:
|
إني بليت بأربع يرمينني |
بالنّبل عن قوس له توتير |
|
|
إبليس و الدّنيا و نفسي و الهوى |
يا ربّ أنت على الخلاص قدير |
|
و قد ذكر هذه القواطع الشيخ، فذكر أولا الدنيا، ثم الناس، ثم الشيطان، ثم النفس، لكن ذكرها على وجه توحيدي لم يذكرها على أنها سوى أو قواطع، و إنما ذكر أسرارها و حكمة وجودها، فلله دره ما أشد معرفته بالتوحيد و أسرار التفريد، نفعنا اللّه بذكره و خرطنا في سلكه آمين. هذا آخر الباب الرابع و العشرين. و حاصلها: ذكر غاية النعيم، و هو شهود نور وجهه الكريم، فمن تحقق به فلا تعتريه أحزان و لا هموم، ثم ذكر القواطع التي تقطع عنه و هي الدنيا، و ما يتعلق بها من رياسة و علم غير نافع و جاه و غيره، و الخلق و ما يتعلق بأذيتهم، و الشيطان و النفس، لكن ذكرهم على وجه التحقيق لا على وجه التشريع، فإذا خلص من هذه القواطع في الحس أفضى إلى شهود نور عظمة ربه في تجلياته، فيتواضع من الأشياء كلها لمعرفته فيها كما أشار إلى ذلك في الباب الخامس و العشرين بقوله رضي اللّه تعالى عنه