ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ١٢٥ - ٤١ - العجب كل العجب ممن يهرب مما لا انفكاك له منه، و يطلب ما لا بقاء له معه، فإنها لا تعمى الأبصار و لكن تعمى القلوب التي في الصدور الحج ٤٦
٤١- العجب كلّ العجب ممن يهرب مما لا انفكاك له منه، و يطلب ما لا بقاء له معه، فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَ لكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج: ٤٦].
قلت: ما لا انفكاك منه هو الحق تعالى و قضاؤه و قدره، و ما لا بقاء له هو الدنيا أو ما تدبره النفس و تقدره. فمن أعجب العجائب: أن يفر العبد من مولاه و يتوجه بالطلب لما سواه مع أنه لا انفكاك له منه و لا محيد له عنه، إذ لا وجود له إلا منه و لا قيام له إلا به، فكيف يهرب منه بترك طلب معرفته، و التقرب إليه بامتثال أمره و اجتناب نهيه، و يطلب ما لا بقاء له من حظوظ الدنيا الفانية التي إن لم تزل عنها في الحياة زالت عنك بالممات، فاطلب ما يبقى دون ما يفنى، و للّه در القائل:
|
هب الدّنيا تساق إليك عفوا |
أليس مصير ذاك إلى زوال |
|
|
و ما دنياك إلا مثل ظلّ |
أظلّك ثم آذن بارتحال[١] |
|
أو تقول: من العجب كل العجب أن يهرب العبد مما لا انفكاك له عن قدر اللّه و قضائه، و يطلب ما لا بقاء له من حظوظ تدبيره و اختياره، إذ كل ما تدبره و تبرمه فسخه القضاء و هدمه:
|
متى يبلغ البنيان يوما تمامه |
إذا كنت تبنيه و غيرك يهدم |
|
و انظر هل فيك بقية من الالتفات إلى ما هاجرت منه، أو فيك حظ سوى ما هاجرت إليه من رضوان اللّه و رسوله أو معرفة اللّه و رسوله؟ فإن اللّه غيور لا يحب لمن طلبه أن يطلب معه سواه و لن يوصل إليه من بقي فيه بقية من حظه و هواه. و هذا كله من عدم فتح البصيرة أو عماها، و لذلك قال: فَإِنَّها لا
[١] - الحديث هو:« مثلي و مثل الدنيا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح و تركها» هذا الحديث رواه البزار في مسنده( ٤/ ٣٣٨).