ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ١٢٤ - ٤٠ - إن لم تحسن ظنك به لأجل وصفه فحسن ظنك به لأجل معاملته معك، فهل عودك إلا حسنا؟ و هل أسدى إليك إلا مننا؟
تتخلف، فحسن ظنك به لوجود معاملته معك بلطفه و مننه، فهل عوّدك الحق تعالى إلا برّا حسنا و لطفا جميلا؟ و هل أسدى إليك أي أوصل إليك إلا مننا كبيرة و نعما غزيرة؟ قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم: «أحبّوا اللّه لما يغذوكم به من نعمه و أحبّوني بحبّ اللّه[١]».
و قال الشيخ أبو الحسن رضي اللّه تعالى عنه: إنا لا نحب إلا اللّه فقال رجل:
أبى ذلك جدك يا سيدي بقوله: «جبلت القلوب على حبّ من أحسن إليها[٢]».
فقال الشيخ أبو الحسن: إنا لما لم نر محسنا غير اللّه لم نحب سواه انتهى.
و قال أيضا رضي اللّه تعالى عنه: قرأت ليلة: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ [الناس: ١]، إلى أن بلغت فيها: مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ [الناس: ٤]، فقيل لي: مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ [الناس: ٤]، يدخل بينك و بين حبيبك، يذكّرك أفعالك السيئة و ينسيك أفعالك الحسنة، و يكثّر عندك ذات الشمال، و يقلل عندك ذات اليمين، ليعدل بك عن حسن الظن باللّه و كرمه إلى سوء الظن باللّه و رسوله، فاحذروا هذا الباب، فقد أخذ منه خلق كثير من العباد و الزهاد و أهل الطاعة و السداد انتهى.
و قال رضي اللّه تعالى عنه أيضا: العارف من عرف شدائد الزمان في الألطاف الجارية من اللّه عليه، و عرف إساءته في إحسان اللّه إليه: فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الأعراف ٦٩] انتهى.
و إذا كان الحق تعالى ما عودك إلا الإحسان، و ما أسدى إليك إلا الامتنان فمن العجب أن تتركه و تطلب ما سواه و إلى ذلك أشار بقوله:
[١] - الذي في المطبوع: لما يغذيكم به من نعمة، و المثبت من الأصل هو ما عليه الرواية كما في الترمذي( ٥/ ٦٦٤)، و التاريخ الكبير للبخاري( ١/ ١٨٣)، و المستدرك( ٣/ ١٦٢)، و أبو نعيم في الحلية( ٣/ ٢١١).
[٢] - رواه ابن أبي حاتم في العلل( ٢/ ٣٣٣)، و أبو نعيم في الحلية( ٤/ ١٢١)، و ذكره المناوي في الفيض( ١/ ٢٣٤).