ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٢٧٦ - ١١٨ - ليكون همك إقامة الصلاة لا وجود الصلاة
الهوى فذلك الشهد بالزبد، و من سار إلى اللّه بطبعه كان الوصول أقرب إليه من طبعه، و من سار إلى اللّه بمخالفة طبعه كان الوصول إليه بقدر بعده عن طبعه، و متى يصح بعده عن طبعه؟ و المقصود إنما هو موافقة الحق لا مخالفة النفس، و شواهد السنة لا تخفى فافهم.
و من دواعي الملل وجود الشّره و هو الحرص، و موجبه هو الإطلاق في العمل، فلذلك قيدت الطاعة بأعيان الأوقات كما أبان ذلك بقوله:
[و علم ما فيك من وجود الشّره، فحجرها عليك في بعض الأوقات].
الشره: خفة في النفس توجب المسارعة للعمل و الإسراع فيه و ينتج آفات ثلاثا: أولها: الترك عند الدوام لتروّي النفس و ضيقها، الثاني: الملل، و هو التثاقل إن لم يكن ترك، الثالث: الإخلال بالحقوق لوجود العجلة.
و الحجر بالوقت فيه فوائد ثلاث: أولها: منع الشره، إذ لو كانت مرسلة لوقعت النفس فيها على وجه الشره، الثاني: نفي التسويف، إذ لو لا الوقت لكانت تعده من زمن إلى زمن فيؤدي إلى التفريط، الثالث: التمكين من العمل و التمكن فيه، إذ لو لا الوقت لأهمل العمل و لم يحافظ عليه لغلبة الهوى، و لم يحفظه استعمالا للحظوظ انتهى. ثم بين وجه التحجير و هو الإتقان و الإقامة فقال:
١١٨- ليكون همّك إقامة الصلاة لا وجود الصلاة.
قلت: السر في تحجير الصلاة في بعض الأوقات لتشتاق النفس إليها و ترتاح بها، فيحصل فيها الخشوع و الحضور و قرة العين، بخلاف ما إذا كانت دائمة فيها فلا تتعشق إليها بل ربما تمل فتوقعها على غير تمام، و المقصود منك حركة قلبك لا حركة جسمك: «إنّ اللّه لا ينظر إلى صوركم و لا إلى أعمالكم، و لكن ينظر إلى قلوبكم[١]»، ليس الشأن حركة الأشباح إنما الشأن خضوع الأرواح، فالسر في
[١] - رواه مسلم( ٤/ ١٩٨٦).