ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٢٩٨ - ١٢٩ - ما طلب لك شيء مثل الاضطرار، و لا أسرع بالمواهب مثل الذلة و الافتقار
١٢٨- ليس الشأن وجود الطلب، إنّما الشأن أن ترزق حسن الأدب.
قلت: قد تقدم في أول الكتاب أن الطلب كله مدخول عند المحققين أولي الألباب، لما يقتضيه من وجود النفس، و الوقوف مع الحس، إذ العارف المحقق لم تبق له حاجة يطلبها، لأنه قد حصل له الغنى الأكبر، و فاز من مولاه بالحظ الأوفر، و هو معرفة مولاه، و الغيبة عما سواه، فاذا فقد من أوجدك فليس الشأن وجود صورة الطلب، و إنما الشأن أن تستغني به عن كل مطلب، و ترزق معه حسن الأدب، و الاكتفاء بعلم اللّه و الوقوف مع مراد اللّه. قال الشيخ زروق رضي اللّه تعالى عنه: و الأدب على ثلاثة أوجه: آداب في الظاهر و ذلك بإقامة الحقوق، و آداب في الباطن بالإعراض عن كل مخلوق، و آداب فيهما و ذلك بالانحياش للحق، و الدوام بين يديه على بساط الصدق، و ذلك هو جملة الأمر و تفصيله و تفريعه و تأصيله انتهى. فالطلب عند العارفين ليس هو بلسان المقال، و إنما هو بلسان الحال و هو الاضطرار و ظهور الذلة و الافتقار، كما نبه عليه بقوله:
١٢٩- ما طلب لك شيء مثل الاضطرار، و لا أسرع بالمواهب مثل الذلة و الافتقار.
قلت: إنما كان طلب العارفين بلسان الحال دون المقال، لما حققهم به من وجود معرفته حتى شهدوا منته في محنته، و نعمته في نقمته، فإذا تجلى لهم بالقوة و الجلال تلقوه بالضعف و الإذلال، فحينئذ يتجلى لهم باسمه الجميل، فيمنحهم كل جميل، و إذا تجلى لهم باسمه العزيز أو القهار تلقوه بالذلة و الافتقار، فتتوارد عليهم المواهب الغزار. فإذا أردت أيها العارف أن تطلب من مولاك شيئا جلبا أو دفعا فعليك بالاضطرار، و الاضطرار: هو أن يكون كالغريق في البحر، أو الضال في التيه القفر، و لا يرى لغياثه إلا مولاه، و لا يرجو لنجاته من هلكته أحدا سواه، فما طلب لك من مولاك شيء مثل اضطرارك إليه، و الوقوف بين يديه متحليا بحلية العبيد، هنالك تنال كل ما تريد، كما قال الشاعر: