ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٤٦٥ - ٢٣٦ - إذا علمت أن الشيطان لا يغفل عنك فلا تغفل أنت عمن ناصيتك بيده
يكون؟ فإذا غلبها قال له الحق تعالى: مرحبا بك و أهلا. و لكن القواطع لا يزول طمعها عنه حتى يسكن في الحضرة، و لذلك قالوا: و اللّه ما رجع من رجع إلا من الطريق، و أما من وصل فلا يرجع. و قال آخر: «و اللّه ما نشكر خليع، و إن ثمل و إن صحا، حتى يقطع في القطيع، و يدور دور الرحى، و إن ثبت يسر سريع، و إن شرب حتى امتحى». فإذا علمت أيها الفقير أو الإنسان أن الشيطان لا يغفل عنك ساعة، لأن له بيتا في صدرك من جهة شمالك، فإذا غفلت عن ذكر اللّه وسوس، و إذا ذكرت اللّه انخنس، فإذا علمت ذلك فلا تغفل أنت عمن ناصيتك و ناصيته بيده، و هو الحق تعالى، فإذا أشتغلت باللّه رده عنك و كفاك أمره قال تعالى:
إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً [النساء: ٧٦]، و قد حذّر اللّه تعالى منه في كتابه قال تعالى:
إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا [فاطر: ٦]، ففهم قوم إن الشيطان لهم عدو فاشتغلوا بمحاربته ففاتهم محبة الحبيب، و فهم قوم أن الشيطان لكم عدو و أنا لكم حبيب، فاشتغلوا بمحبة الحبيب فكفاهم عداوة العدو كما قال الشيخ أبو العباس. و قال شيخ شيوخنا سيدي علي رضي اللّه تعالى عنه: عداوة العدو حقّا هي اشتغالك بمحبة الحبيب حقّا، فإذا اشتغلت بعداوة العدو فاتتك محبة الحبيب و نال عدوك مراده منك. و كتب الشعراني إلى شيخ له بالمغرب يشكو له إذاية الخلق، فكتب له الشيخ: لا تشتغل بمن يؤذيك قط، و اشتغل باللّه يرده عنك. و قد غلط في هذا الأمر خلق كثير و اشتغلوا بمن آذاهم، فطال الأذى مع الإثم، و لو أنهم رجعوا إلى اللّه لكفاهم أمرهم و لردهم عنهم و السلام، هكذا سمعت هذه الحكاية من الشيخ. و قال الشيخ زروق رضي اللّه تعالى عنه: و إنما يندفع الشيطان بالتوكل و الإيمان، قال تعالى: إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [النحل: ٩٩]، و قيل:
الشيطان كلب، إن اشتغلت بمقاومته مزق الإهاب و قطع الثياب، و إن رجعت إلى ربك صرفه عنك برفق. و قال ذو النون المصري رضي اللّه تعالى عنه: إن كان هو يرانا من حيث لا نراه فاللّه يراه من حيث لا يرى اللّه، فاستعن باللّه عليه انتهى. قلت: و من عرف اللّه ذاب الشيطان من نوره فلم يبق يعرف إلا اللّه، و لذلك قال بعضهم: نحن قوم لا نعرف الشيطان، قيل له: أو ليس قد ذكره اللّه في كتابه؟ قال: أجل، و لكن اشتغلنا باللّه فكفانا أمره حتى نسيناه، و باللّه