ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٣٣٥ - ١٤٨ - إذا وقع منك ذنب فلا يكن سببا يؤيسك من حصول الاستقامة مع ربك، فقد يكون ذلك آخر ذنب قدر عليك
الباب السادس عشر
قال رضي اللّه تعالى عنه:
١٤٨- إذا وقع منك ذنب فلا يكن سببا يؤيّسك من حصول الاستقامة مع ربّك، فقد يكون ذلك آخر ذنب قدر عليك.
قلت: السائر الصديق، أو الواصل إلى التحقيق، كالراكب المغير، جادّا في المسير، كاد من السرعة أن يطير، فإذا وقعت منه كبوة أو سقطة، أو صدرت منه عثرة أو هفوة، استوى على جواده، و استمر على إغارته في طلب مراده، فإذا سقط و جعل يتمرغ في سقطته، كان ذلك دليلا على فترته، و عدم تحصيل طلبته، فإذا وقع منك أيها الفقير ذنب فلا يكن سببا في قطعك عن اللّه، أو يؤيسك من الاستقامة مع اللّه فيتضاعف عليك و بال المعصية، و تعظم في حقك المصيبة و البلية، فقد يكون ذلك رحمة بك و تنبيها لك من سنتك، كحصول ملل و فترة، فإذا سقطت نهضت، و إذا قمت و قد جددت يكون ذلك آخر ذنب قدره اللّه عليك، و تأمل ما وقع لكثير من الأكابر كانوا لصوصا فصاروا خصوصا، كإبراهيم بن أدهم و الفضيل و أبي يعزى و غيرهم ممن لا يحصى، فليكن لك بهم أسوة في حسن الظن باللّه، قال تعالى: قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ [الزمر: ٥٣]، و قال: وَ مَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ [الحجر: ٥٦]، و قال تعالى: لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ [يوسف: ٨٧]، و قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم: «كلّ ابن آدم خطّاء، و خير الخطّائين التوابون[١]»، و قال صلى اللّه عليه و آله و سلم: «إنّ اللّه يحبّ كلّ مفتنّ توّاب[٢]»، يعني كثير الذنب كثير التوبة، قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [البقرة: ٢٢٢]، فهذه الآيات تقوي رجاء العباد و توجب الاعتدال و السداد، و قد بين أصل الرجاء و الخوف و منشأهما فقال:
[١] - رواه الدارمي في سننه( ٢/ ٣٩٢)، و الديلمي في الفردوس( ٣/ ٢٩٥).
[٢] - ذكره المناوي في فيض القدير( ٣/ ٤٩).