ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٦١ - ١٢ - ما نفع القلب شيء مثل عزلة يدخل بها ميدان فكرة
العبد و كماله و سبب محبته عند مولاه لقوله صلى اللّه عليه و آله و سلم: «ازهد في الدنيا يحبّك اللّه، و ازهد فيما في أيدي الناس يحبّك الناس[١]» انتهى.
و لا شك أن من انفرد عن الناس و لم ينظر إلى ما هم فيه من الرغبة في الدنيا و الانكباب عليها يسلم من متابعتهم في ذلك و يسلم من متابعة الطباع الرديئة و الأخلاق الدنيئة، و قلّ من يخالطهم أن يسلم من ما هم فيه و قد روي عن عيسى ٧: لا تجالسوا الموتى فتموت قلوبكم. قالوا من الموتى يا روح اللّه؟ قال المحبون في الدنيا الراغبون فيها.
الفائدة الخامسة: السلامة من صحبة الأشرار و مخالطة الأرذال و في مخالطتهم فساد عظيم و خطر جسيم، ففي بعض الأخبار: «مثل الجليس السّوء كمثل الكير إذا لم يحرقك بشرره علق بك من ريحه[٢]». و قال سيدي عبد الرحمن المجذوب رضي اللّه تعالى عنه: الجلسة مع غير الأخيار ترذل و لو تكون صافيا أوحى اللّه تعالى إلى داود ٧: «يا داود مالي أراك منتبذا و حدانيّا، فقال:
إلهي فليت الخلق من أجلك. فقال يا داود: كن يقظان، و ارتد لنفسك إخوانا، و كلّ أخ لا يوافقك على مسرتي فلا تصحبه فإنه لك عدو يقسّي قلبك و يباعدك منّي» انتهى. فإن أردت الصحبة فعليك بصحبة الصوفية، فإن صحبتهم كنز، لا نفاد له. قال الجنيد رضي اللّه تعالى عنه: إذا أراد اللّه بعبد خيرا أوقعه إلى الصوفية و منعه صحبة القراء. و قال آخر: و اللّه ما أفلح من أفلح إلا بصحبة من أفلح.
الفائدة السادسة: التفرغ للعبادة و الذكر و العزم على التقوى و البر، و لا شك أن العبد إذا كان وحده تفرغ لعبادة ربه و انجمع عليها بجوارحه و قلبه، لقلة من يشغله عن ذلك.
[١] - رواه ابن ماجه( ٢/ ١٣٧٣).
[٢] - رواه البخاري( ٢/ ٧٤١)، و مسلم( ٤/ ٢٠٢٦).