ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٦٠ - ١٢ - ما نفع القلب شيء مثل عزلة يدخل بها ميدان فكرة
الفائدة الثانية: حفظ البصر و السلامة من آفات النظر فإن من كان معتزلا عن الناس سلم من النظر إليهم و إلى ما هم منكبون عليه من زهرة الدنيا و زخرفها قال تعالى: وَ لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ [طه: ١٣١]، فتمنع بذلك النفس من التطلع إليها و الاستشراف لها و منافسة أهلها. و قال محمد بن سيرين رضي اللّه تعالى عنه: إياك و فضول النظر فإنها تؤدي إلى فضول الشهوة. و قال بعض الأدباء: من كثرت لحظاته[١] دامت حسراته. و قالوا: إن العين سبب الحين أي الهلاك، و من أرسل طرفه اقتنص حتفه، و إن النظر بالبصر إلى الأشياء يوجب تفرقة القلب انتهى.
الفائدة الثالثة: حفظ القلب و صونه عن الرياء و المداهنة و غيرهما من الأمراض. قال بعض الحكماء: من خالط الناس داراهم، و من داراهم راءاهم، و من راءاهم وقع فيما وقعوا، فهلك كما هلكوا. و قال بعض الصوفية: قلت لبعض الأبدال المنقطعين إلى اللّه: كيف الطريق إلى التحقيق. قال: لا تنظر إلى الخلق فإن النظر إليهم ظلمة. قلت: لا بد لي. قال: فلا تسمع كلامهم فإن كلامهم قسوة. قلت: لا بد لي. قال: فلا تعاملهم فإن معاملتهم خسران و حسرة و وحشة. قلت: أنا بين أظهرهم لا بد لي من معاملتهم. قال: فلا تسكن إليهم فإن السكون إليهم هلكة. قلت: هذا لعله يكون. قال: يا هذا تنظر إلى اللاعبين و تسمع كلام الجاهلين و تعامل البطالين و تسكن إلى الهالكين و تريد أن تجد حلاوة الطاعة و قلبك مع غير اللّه هيهات هذا لا يكون أبدا ثم غاب عني. و قال القشيري رضي اللّه تعالى عنه: فأرباب المجاهدة إذا أرادوا صون قلوبهم عن الخواطر الرديئة لم ينظروا إلى المستحسنات أي من الدنيا. قال: و هذا أصل كبير لهم في المجاهدات في أحوال الرياضة.
الفائدة الرابعة: حصول الزهد في الدنيا و القناعة منها و في ذلك شرف
[١] - لم أقف عليه.