ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٥٩ - ١٢ - ما نفع القلب شيء مثل عزلة يدخل بها ميدان فكرة
و في الحديث: «المعدة بيت الدّاء، و الحمية رأس الدّواء[١]»، و كذلك القلب إذا قويت عليه الخواطر و استحوذ عليه الحس مرض، و ربما مات و لا ينفعه إلا الحمية منها، و الفرار من مواطنها و هي الخلطة فإذا اعتزل عن الناس و استعمل الفكرة نجح دواؤه، و استقام قلبه و إلا بقي سقيما حتى يلقى اللّه بقلب سقيم بالشك و الخواطر الرديئة نسأل اللّه العافية. قال الجنيد رضي اللّه تعالى عنه: أشرف المجالس الجلوس مع الفكرة في ميدان التوحيد. و قال الشيخ أبو الحسن رضي اللّه تعالى عنه: ثمار العزلة الظّفر بمواهب المنة، و هي أربعة:
كشف الغطاء و تنزل الرحمة و تحقق المحبة و لسان الصدق في الكلمة قال اللّه تعالى: فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَ ما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ وَ كُلًّا جَعَلْنا نَبِيًّا [مريم: ٤٩] انتهى. و اعلم أن في الخلوة عشر فوائد: الأولى السلامة من آفات اللسان فإن من كان وحده لا يجد معه من يتكلم و قد قال ٧: «رحم اللّه عبدا سكت فسلم، أو تكلّم فغنم[٢]» و لا يسلم في الغالب من آفاته إلا من آثر الخلوة على الاجتماع. و قال شيخ شيوخنا سيدي علي رضي اللّه تعالى عنه: إذا رأيت الفقير يؤثر الخلوة على الاجتماع، و الصمت على الكلام، و الصيام على الشبع فاعلم أن حبجه قد عسل و إذا رأيته يؤثر الخلطة و الكلام و الشبع على ضدها فاعلم أن حبجه خاوي. و قال في القوت: و في كثرة الكلام قلة الورع، و عدم التقوى، و طول الحساب، و نشر الكتاب و كثرة الطالبين، و تعلق المظلومين بالظالمين، و كثرة الأشهاد من الكرام الكاتبين، و دوام الإعراض عن الملك الكريم، لأن الكلام مفتاح كبائر اللسان و فيه الكذب و فيه الغيبة و النميمة و الزور و البهتان ثم قال: و في الخبر: «أكثر خطايا ابن آدم في لسانه، و أكثر الناس ذنوبا يوم القيامة أكثرهم خوضا في مالا يعني» انتهى.
[١] - أورده القاري في المصنوع( ص ١٧٢)، و العجلوني في كشف الخفا( ١/ ٤٣٩).
[٢] - لم أقف عليه.