ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٥٧ - ١١ - ادفن وجودك في أرض الخمول، فما نبت مما لم يدفن لا يتم نتاجه
طوفوه[١] بها مرارا، و كذلك قصة سيدي علي العمراني، فخرابه بفاس مشهور كنار على علم سكن السفليات حتى مات رضي اللّه تعالى عنه، و كذلك قصة شيخ شيخنا مولاي العربي من لبسه الغرارة و سقيه بالقربة و غير ذلك مما هو معلوم فهذه الحكايات تدل على أن الخمول ليس هو ما يفهمه العوام من لزوم البيوت و الفرار إلى الجبال، فذلك هو عين الظهور عند المحققين و إنما الخمول هو كما قال الشيخ زروق رضي اللّه تعالى عنه: تحقيق النفس بوصفها الأدنى و شعورها به أبدا، و وصفها الأدنى هو الذل و كل ما يثقل عليها فمرجعه للتحقيق بوصف التواضع، و فائدته: تحصيل العمل و كمال الحقيقة انتهى.
فإن قلت في فعل هذه الأحوال التعرض لكلام الناس، و إيقاعهم في الغيبة.
قلت: هذا مبني على القصد و النية و كل من فعل شيئا من ذلك فإنما قصده قتل نفسه و تحقيق إخلاصه و دواء قلبه و هم مسامحون لمن قال فيهم عاذرون له قال سيدي علي في كتابه: نحن نعذر من عذرنا و نعذر من لم يعذرنا. و قال الشيخ زروق رضي اللّه تعالى عنه: في قواعده قاعدة حكم الفقه عام في العموم لأن مقصوده إقامة رسم الدين و رفع مناره و إظهار كلماته، و حكم التصوف خاص في الخصوص لأنه معاملة بين العبد و ربه من غير زائد على ذلك فمن ثمّ صح إنكار الفقيه على الصوفي و لم يصح إنكار الصوفي على الفقيه و لزم الرجوع من التصوف إلى الفقه في الأحكام لا في الحقائق انتهى.
تنبيه: هذه الأدوية التي ذكرنا إنما هي في حالة المرض و أما من تحقق شفاؤه و كمل فناؤه فهو عبد اللّه سواء أظهره أو أخفاه.
و في هذا قال الشيخ أبو العباس المرسي رضي اللّه تعالى عنه: من أحب الظهور فهو عبد الظهور و من أحب الخفاء فهو عبد الخفاء، و عبد اللّه سواء عليه أظهره أم أخفاه انتهى.
[١] - في المطبوع: طوف.