ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٣٦٩ - ١٧١ - إلى المشيئة يستند كل شيء، و ليست تستند هي إلى شيء
قال أبو بكر الواسطي رضي اللّه تعالى عنه: إن اللّه لا يقرّب فقيرا لأجل فقره، و لا يبعد غنيّا لأجل غناه، و ليس للأعراض عنده خطر حتى بها يوصل و بها يقطع، و لو بذلت الدنيا و الآخرة ما أوصلك إليه بها، و لو أخذتها كلها ما قطعك بها، قرّب من شاء بغير علة، و قطع من شاء من غير علة، كما قال تعالى: وَ مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ [النور: ٤٠]، فالنظر إلى المشيئة حقيقة، و النظر إلى السبب شريعة. أو تقول: النظر إلى المشيئة قدرة، و النظر إلى الأسباب حكمة، و لا بد من الجمع بينهما، فالحقيقة معينة، و الشريعة مبينة. الشريعة حكمة، و الحقيقة قدرة، و الحقيقة حاكمة على الشريعة في الباطن، و الشريعة حاكمة على الحقيقة في الظاهر، و ليس حكم القدرة بأولى من وصف الحكمة في محله و لا بالعكس. قال الشطيبي رضي اللّه تعالى عنه: و اعلم أن الناس أربعة: ناظر في السوابق لعلمه بأن الحكم الأزلي لا يتغير باكتساب العبد، و ناظر في العواقب لعلمه بأن الأعمال بخواتمها، و ناظر للوقت لا يشتغل بالسوابق و لا بالعواقب غير أداء ما كلف به من حكم الوقت، عالم بأن العارف ابن وقته، لا يهتم بماض و لا مستقبل، و لا يرى غير الوقت الذي هو فيه، و ناظر للّه وحده لعلمه بأن الماضي و المستقبل و الحال متقلبون في قبضته متصرفون في حكمه، و الأوقات كلها قابلة للتغير و تبديل الحال فلا يراها، و إنما يراقب من كل شيء بيده. و قد أراد بعضهم الخروج من بين يدي بعض المشايخ، فقال له الشيخ: أين تريد؟ فقال: يا سيدي لئلا أشغلك عن وقتك، فقال له: ليس عند اللّه وقت و لا مقت، إنما نرى رب الوقت لا الوقت، و من تمكنت فيه حالة الشهود غاب بالموجد عن الوجود: وَ تَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَ هُمْ رُقُودٌ [الكهف: ١٨].
حكي أن رجلا قال لأبي يزيد: أين أبو يزيد؟ فقال له: ليس هنا أبو يزيد. و قال رجل: للشبلي أين الشبلي؟ قال: مات لا رحمه اللّه، إنما عنى الشبلي، لاردّه اللّه لإحساسه عن مشاهدته لربه. و رأى أبو يزيد رجلا في المسجد يسأل عنه، فقال له: و أنا أطلبه منذ سنين، فظن أنه مجنون، فلما أعلم أنه هو قال له: يا سيدي عليك أسأل و لك أطلب، فقال له أبو يزيد: الذي تطلب قد ذهب في الذاهبين في اللّه باللّه للّه، فلا ردّه اللّه، هذا آخر الباب الثامن عشر.