ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٤٢٧ - ٢١٢ - لا يزيد في عزه إقبال من أقبل عليه، و لا ينقص من قدره إدبار من أدبر عنه
أثنيت على نفسك[١]» انتهى. ثم قال ذلك البعض: إن صفات البارئ و أسماءه كلها كليات و المخلوق جزء، و الجزء لا يحيط بالكل و لا يدرك حقيقته، فليتحرز من التأويلات المخرجة عن المعنى اللائق بجناب الحق، مسلما أن لا يعرف اللّه إلا اللّه، و أنشدوا:
|
لا يعلم اللّه إلا اللّه فاتّئدوا |
و الدّين دينان إيمان و إشراك |
|
|
و للعقول حدود لا تجاوزها |
و العجز عن درك الإدراك إدراك |
|
فهذا أوائل المعرفة. و أما وسطها: فهو اغتراف من بحر الحقيقة، و استشراف على غوامض الطريقة، و لا تسعه كل عقول العامة، و إنما يخوض فيه الخاصة، فإن ما تقدم كان فيه استدلال بالاسم على المسمى، و هذه مرتبة تسقط التفرقة بين الاسم و المسمى و بين الصفة و الموصوف، ثم قال: و لهذا قالوا: الجمع سقوط التفرقة، و ليس بعد هذا إلا جمع الجمع و هو غاية المعرفة، فأول المعرفة دلالة الصنعة على الصانع، و وسطها دلالة الصانع على الصنعة، و غايتها تلاشي كل ما دون الحق: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ* وَ يَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَ الْإِكْرامِ [الرحمن: ٢٦] انتهى. قاله الشطيبي مختصرا. هذا آخر الباب الثاني و العشرين.
و حاصلها: الترغيب في تحصيل الأنوار بالتفرغ من الأكدار، فإذا فرغت قلبك و تأخر الفتح عليك فلا تستبطئ منه وجود النوال، و لكن استبطئ من نفسك وجود الإقبال، و لا يكمل إقبال العبد على ربه حتى يستغرق الأوقات كلها في طلبه، فكل وقت من العمر لا ثمن له و لا يمكنه التفرغ لحفظ الأوقات حتى يتحرر من رق الكائنات، فإذا تحرر مما سواه كان عبدا حقيقة لمولاه، فحينئذ اجتباه، و لحضرته اصطفاه، من غير منفعة له فيه و لا ضرر، و إنما يعود نفعه له و ضرره عليه، إذ لا يزيد في عزه إقبال من أقبل و لا إدبار من أدبر، و إنما وصل من وصل بمحض فضله، و أبعد من أبعد بمحض عدله، و معنى وصول العبد إلى مولاه: علمه بنور عظمة ربه و سناه، كما أبان ذلك في أول الباب الثالث و العشرين بقوله رضي اللّه تعالى عنه
[١] - رواه مسلم( ١/ ٣٥٢).