ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٣٨٩ - ١٨٦ - عبارتهم إما لفيضان وجد أو لقصد هداية مريد
الأزمنة الطويلة، جزاهم اللّه عن الأمة المحمدية خيرا. و قد تكلم الشيخ أبو الحسن على حال السالكين و الواصلين بكلام طويل ذكره في «لطائف المنن»، و نقله الشطيبي فقال: إن للّه عبادا محق أفعالهم بأفعاله، و أوصافهم بأوصافه، و ذاتهم بذاته، و حملهم من أوصافه ما يعجز عن سماعه عامة الخلق، فهم مغرقون في بحر الذات و تيار الصفات فنوا عن أفعالهم، ثم فنوا عن صفاتهم ثم فنوا عن ذاتهم، و بقوا بذات اللّه تعالى، و لم يبق لهم منهم شيء، و من كان في اللّه تلفه كان على اللّه خلفه، و من صح فناؤه صح بقاؤه. ثم قال: و اعلم أن الفناء يوجب الغيبة عما سوى اللّه.
قلت: و هو مقام السالكين، و البقاء يوجب إيجاد كل شيء مع اللّه يعني باللّه، فصاحب الفناء يقوم اللّه عنه، و صاحب البقاء يقوم باللّه عن اللّه، و هما ولايتان: فولي يتولى اللّه و رسوله و الذين آمنوا، و ولي يتولاه اللّه، و هو يتولى الصالحين. قال الشيخ أبو الحسن رضي اللّه تعالى عنه:
و علامة الولاية الرضا بالقضاء، و الصبر على البلاء، و الفرار إلى اللّه عند الشدائد، و الرجوع إليه عند النوائب، فمن أعطي هذه الأربعة من خزائن الأعمال و المجاهدة فقد صحت ولايته للّه و رسوله و للمؤمنين، و من أعطيهما من خزائن المنن و المواددة فقد تمت ولاية اللّه له، فالولاية الأولى ولاية صغرى، و الولاية الثانية ولاية كبرى، قيل له: كيف يتولى اللّه و رسوله و الذين آمنوا؟ قال: يتولى اللّه بالمجاهدة لقوله تعالى: وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا [العنكبوت: ٦٩]، و يتولى الرسول بالمتابعة: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران: ٣١]، مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ [النساء: ٨٠]، و يتولى المؤمنين بالاقتداء بهم، و هي علامات من خاض بحر الولاية، و أما الذين تولاهم اللّه فهم الذين صلحوا لحضرته، و غابوا عن خليقته، فلا يرون في الوجود إلا اللّه، الأولى تسمى ولاية إيمان، و هذه ولاية إيقان، فقيل له: و ما الفرق بين الإيمان و الإيقان؟ قال: كل يقين إيمان و ليس كل إيمان إيقانا، فالإيمان ربما تدخله الغفلة، و الإيقان لا تدخله الغفلة، المؤمن يتجلى له الحق دون كل شيء، و الموقن يتجلى له الحق في كل شيء، المؤمن فان عن كل شيء، فلم يشهد مع اللّه شيئا، و الموقن باق في كل شيء، فهو يشهد اللّه في كل شيء انتهى.
ثم بين المؤلف رضي اللّه تعالى عنه فائدة التعبير و ثمرة العبارة فقال: