ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٥٠٧ - ٢٧١ - فالعاقل من كان بما هو أبقى أفرح منه بما هو يفنى
|
أين الملوك و أبناء الملوك و من |
كانوا إذا الناس قاموا هيبة جلسوا |
|
|
كأنهم قطّ ما كانوا و لا خلقوا |
و مات ذكرهم بين الوري و نسوا |
|
|
حطوا الملابس لما ألبسوا حللا |
من التراب على أجسادهم و كسوا |
|
قال مالك بن دينار: مررت بمقبرة فوجدت بهلول المجنون قاعدا بين القبور و هو عريان إلا ما يستر العورة، فأتيت نحوه لأستفيد من طرائفه، فوجدته تارة ينظر إلى السماء فيستهل، و تارة ينظر إلى الأرض فيعتبر، و تارة ينظر عن يمينه فيضحك، و تارة ينظر عن شماله فيبكي، فسلمت عليه فرد علي السلام، فسألته عما رأيت من حاله؟ فقال: يا مالك أرفع رأسي إلى السماء فأذكر قوله تعالى: وَ فِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَ ما تُوعَدُونَ [الذريات: ٢٢] فأستهل، و أنظر إلى الأرض فأذكر قوله تعالى: مِنْها خَلَقْناكُمْ وَ فِيها نُعِيدُكُمْ وَ مِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى [طه: ٥٥] فأعتبر، و أنظر عن يميني فأذكر قوله تعالى: وَ أَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ [الواقعة: ٢٧]، فأضحك، و أنظر عن شمالي فأذكر قوله تعالى: وَ أَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ [الواقعة: ٤١] فأبكى. فقلت: يا بهلول إنك لحكيم، أتأذن لي أن أشتري لك قميصا قطنا؟ قال: افعل، فسارعت للسوق و أتيته بقميص قطن، فنظر إليه و قلبه يمينا و شمالا و رمى به إليّ و قال: ليس مثل هذا أريد. قلت: و كيف تريده؟ قال: أريد قميصا من الإخلاص محفوظا من الدنس و الانتقاص، غرس قطنه بالحقائق، و حرس من جميع البوائق، سقاه جبريل بماء السلسبيل فأينع حسنا و أثمر قطنا، فلقطته أيدي الكرام البررة، التالين سورة الحمد و البقرة، ثم حلجته أكف الوفاء بعز و صفاء من غير جفاء، ثم نحلته الأوتار المتصلة بالأنوار، و غزلته مغازل الحمد و الثناء بالمحبة و الاعتناء، جعلت الجنة لناسجه ثوابا، و كان هو للابسه من النار حجابا، فهل تقدر يا مالك على مثل هذا؟ فقلت: إنما يقدر عليه من خصك بوصفه، و ألهمك لمعاينته و كشفه، ثم قلت: يا بهلول صف لي لألبس هذا القميص، فقال: نعم إنما يلبسه من خصه اللّه بأنواره، و كتبه في ديوان أبراره، و أحياه بالسابقة، و قواه بالعزيمة الصادقة، فجسمه بين الخلق يسعى، و قلبه في الملكوت يرعى، فلا يتكلم بغير ذكر اللّه لفظة، و لا ينظر لغير اللّه لحظة، ثم صاح صحية عظيمة و قام و هو يقول: إليك فر الهاربون، و نحوك قصد الطالبون،