ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ١٣٦ - ٤٦ - حسن الأعمال نتائج حسن الأحوال و حسن الأحوال من التحقق في مقامات الإنزال
أولا عمله مجاهدة بترك الدنيا و أسبابها، ثم يكون مكابدة بالصبر على الفاقة حتى يصير حالا، ثم يسكن القلب و يذوق حلاوته فيصير مقاما، و كذلك التوكل يكون مجاهدة بترك الأسباب، ثم يكون مكابدة بالصبر على مرارة تصرفات الأقدار، ثم يصير حالا، ثم يسكن القلب فيه و يذوقه فيصير مقاما، و كذلك المعرفة تكون مجاهدة بالعمل في الظاهر كخرق العوائد من نفسه، ثم تكون مكابدة بالمعرفة و الإقرار عند التعرفات، ثم تصير حالا، فإذا سكنت الروح في الشهود و تمكنت صارت مقاما. فالأحوال مواهب، و المقامات مكاسب يعني أن الأحوال مواهب من اللّه جزاء لثواب الأعمال، فإذا دام العمل و اتصل الحال صار مقاما، فالأحوال تتحول تذهب و تجيء، فإذا سكن القلب في ذلك المعنى صار مقاما، و هو مكتسب من دوام العمل. و اعلم أن المقام و الحال لكل واحد علم و عمل، فالمقام يتعلق به العلم أولا، ثم يسعى في عمله حتى يكون حالا، ثم يصير مقاما، و كذلك الحال يتعلق به العلم أولا، ثم العمل، ثم يصير مقاما حالا، و اللّه تعالى أعلم. فعلامة التحقق بمقامات الإنزال هو حسن الحال، و علامة حسن الحال هو حسن العمل، فإتقان الأعمال و حسنها هو ثمرة و نتيجة حسن الأحوال، و حسن الأحوال و إتقانها هو نتيجة التحقق بمقامات الإنزال أي التحقق بالإنزال في المقامات أو تقول: حسن الأحوال دليل على التحقق بالمقامات التي ينزل اللّه عبده فيها، و حسن الأعمال دليل على حسن الأحوال و التحقق بالحال، و السكون في المقام أمر باطني و يظهر أثره في عمل الجوارح، و الحاصل: أن حركة القالب تدل على صلاح القلب أو فساده لقوله صلى اللّه عليه و آله و سلم: «إنّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كلّه و إذا فسدت فسد الجسد كلّه ألا و هي القلب[١]»، فإذا تحقق القلب بالزهد مثلا و صار له حالا أو مقاما ظهر ذلك على جوارحه من الثقة باللّه و الاعتماد عليه
[١] - رواه البخاري( ١/ ٢٨)، و مسلم( ٣/ ١٢١٩).