ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٢٨١ - ١٢٠ - الصلاة محل المناجاة
و إذا قال: الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. قال اللّه تعالى: مجّدني عبدي. فإذا قال:
مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ. قال اللّه تعالى: فوض إلى عبدي. فإذا قال: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ. قال اللّه تعالى: هذه بيني و بين عبدي. فإذا قال: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ. قال اللّه هذه لعبدي، و لعبدي ما سأل[١]». الحديث.
فلا يزال المصلي يناجي ربه و يطلب قربه، حتى تتمكن المحبة من القلب و الإقبال من الرب؛ فتصفو المحبة من كدر الجفا، و يتصل المحب مع حبيبه في محل الصفا، و هو معنى قوله: [و معدن المصافاة]. و هي النتيجة الرابعة. قلت: المعدن هو محل الذهب و الفضة، استعير هنا لصفاء القلوب و الأرواح لتصفيتها من لوث صلصال الأشباح، فالمصافاة خلوص المناجاة من تشويش الحس و كدر الهواجس، فهي أرق و أصفى من المناجاة كما قال ابن الفارض رضي اللّه تعالى عنه:
|
و لقد خلوت مع الحبيب و بيننا |
سرّ أرقّ من النسيم إذا سرى |
|
و هذه مصافاة العبد لربه، و مصافاة الرب لعبده بالإقبال عليه حتى لا يدعه لغيره. و في الخبر: «إنّ العبد إذا قام إلى الصلاة رفع اللّه الحجاب بينه و بينه و واجهه بوجهه و قامت الملائكة من لدن منكبيه إلى الهويّ يصلون بصلاته[٢]» انتهى. فإذا تمت التصفية، و عظمت المحبة، و كثر العطش، و ظهر الدهش استحقت الروح رفع الحجاب و فتح الباب، فتدخل إلى حضرة الأحباب، و يرتفع بينها و بينهم الحجاب فتخرج من ضيق الأشباح إلى فضاء عالم الأرواح، أو من ضيق الملك إلى سعة عالم الملكوت، و هو معنى قوله: [تتّسع فيها ميادين الأسرار]. و هي النتيجة الخامسة. قلت: الميادين: جمع ميدان، و هو مجال الخيل، استعير هنا لفضاء عالم الملكوت. فإذا تنزهت الروح في عالم الملكوت و جالت
[١] - رواه مسلم( ١/ ٢٩٦، ١٩٧)، و الترمذي( ٥/ ٢٠١)، و النسائي في الكبرى( ٥/ ١١)، و أحمد( ٢/ ٢٨٥).
[٢] - لم أقف عليه.