ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٣٥٤ - ١٦١ - استشرافك أن يعلم الخلق بخصوصيتك دليل على عدم صدقك في عبوديتك
بمراقبته إياك، و استغنيت به عن رؤية غيره. فالواجب على الفقير إذا خصه اللّه بخصوصية كتمها و جحدها و سترها إلا عن شيخه، فإن أظهرها فهو على خطر، فقد يكون تحدثا، و قد يكون تبجحا، و في الكتمان السلامة، و قد تقدم قول الشيخ: من رأيته مجيبا عن كل ما سئل و معبرا عن كل ما شهد و ذاكرا كل ما علم فاستدل [بذلك] على وجود جهله، و في هذا المعنى قال شيخ شيوخنا المجذوب رضي اللّه تعالى عنه:
|
احفر لسرّك و دكّو |
في الأرض سبعين قاما |
|
|
و خلّ الخلائق يشكوا |
إلى يوم القياما |
|
و كان بعض إخواننا إذا سئل: ما أدركتم و ما ذقتم في هذا الطريق؟ يقول: البرد و الجوع، فكان شيخ شيخنا يعجبه ذلك و يستحسنه لدلالته على صدق الإخلاص، و ما زالت أشياخنا و أشياخهم يستعملون الخراب في ظواهرهم صونا لما في بواطنهم، و لأجل هذا فضل عمل السر على عمل العلانية بسبعين درجة ضعفا كما في الحديث، و قال سيدنا عيسى: إذا كان يوم صوم أحدكم فليدهن لحيته و يمسح شفتيه، فإذا خرج إلى الناس رأوا أنه لم يصم، و إذا أعطى أحد فليعط بيمينه و يخفيها عن شماله، و إذا صلى أحدكم فليسدل عليه ستر بابه، فإن اللّه يقسم الثناء كما يقسم الرزق. و قال الشيخ أبو عبد اللّه القريشي رضي اللّه تعالى عنه: كل من لم يقنع في أفعاله و أقواله بسمع اللّه و نظره دخل عليه الرياء لا محالة. و قال بعضهم: ما أخلص عبد قط إلا أحب أن يكون في جب لا يعرف، و لهذا كان إسقاط المنزلة شرطا في هذا الطريق، فإن تحقق العبد بالمعرفة و مشاهدة الوحدانية جاز له الإخبار بالوحدانية بأعماله، و الإظهار لمحاسن أحواله، بناء منه على نفي الغير و أداء الواجب من الشكر. كان بعض السلف يصبح فيقول:
صليت كذا و كذا ركعة و تلوت كذا و كذا سورة، فيقال له: أما تخشى من الرياء؟ فيقول:
و يحكم، و هل رأيتم من يرائي بفعل غيره؟. و الحاصل: من فني عن نفسه و تحقق بشهود ربه فلا كلام عليه، و قد قالوا: من أحب الخفاء فهو عبد الخفاء، و من أحب الظهور فهو عبد الظهور، و من لم يرد غير ما أراد اللّه به فهو عبد اللّه حقّا، ثم علمك الشيخ الدواء في ترك الاستشراف إلى الخلق، و هو الاكتفاء بنظر الحق، فقال: