ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٢٥١ - لأجل ذلك أفلت أنوار الظواهر، و لم تأفل أنوار القلوب و السرائر
حلاوة العمل، فلذلك يقلّ عمل الجوارح عند العارف؛ إذ حلاوة الشهود تغني عن كل شيء، ليس الخبر كالعيان، و في بعض الأحاديث: «سئل رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله و سلم أي الأعمال أفضل؟ قال: العلم باللّه، قالوا: يا رسول اللّه سألناك عن العمل؟ قال العلم باللّه، ثم قال في الثالثة: عمل قليل كاف مع العلم باللّه[١]»، و حقيقة النور في الأصل كيفية تنبسط من النيرين على سطح الجسم فينكشف ما عليه بواسطة البصر، ثم شبه به العلم و اليقين و المعرفة لما بينهما من الشبه في كشف حقيقة الأشياء و تمييزها، فالنور الحسي ينقطع بانقطاع أصله و النور المعنوي الذي هو نور القلوب لا ينقطع أبدا، فلذلك أنشد الشيخ هذا البيت فقاله: و لذلك قيل:
|
إن شمس النهار تغرب بالليل |
و شمس القلوب ليست تغيب |
|
و ليس هو من عند المؤلف، بل هو لغيره، و سيأتي في المناجاة بتمامه إن شاء اللّه.
قال الشيخ زروق رضي اللّه تعالى عنه: فشمس القلوب لا تغيب أبدا، بل هي دائمة لا تنقطع و باقية لا تنصرم لبقاء مددها، و هي معاني الأوصاف الربانية و دوام محالها، و هي الآفاق الروحانية، فالمتعلق بها متعلق بحقيقة لا تنصرم؛ و من هذا الوجه كان غنى القوم باللّه لا بالأسباب، و تعلقهم به لا بشيء دونه، انتهى هذا آخر الباب العاشر. و حاصلها: ذكر كيفية الجزاء على الأعمال، و الزجر على طلبه، و تحقيق معرفته في عطائه و منعه، و الاعتناء بإقباله و قبوله لا بخدمته و دوام الاضطرار بين يديه، و الافتقار إلى نعمته، و الاستيحاش من خلقه بدوام أنسه، ثم إشراق أنواره على قلوب أوليائه و أسرار أصفيائه، جزاء لإقبالهم عليه و انحياشهم إليه. فإذا أتحفهم بذلك و هيأهم لما هنالك تلى عليهم قوله: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَ لَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة: ٢١٤]، كما نبه عليه في أول الباب الحادي عشر.
[١] - رواه الترمذي في النوادر( ٤/ ١٠١)، و ذكره المناوي في فيض القدير( ٤/ ٥٢٦).