ايقاظ الهمم فى شرح الحكم - ابن عجيبة - الصفحة ٢٨٩ - ١٢٤ - لا نهاية لمذامك إن أرجعك إليك، و لا تفرغ مدائحك إن أظهر جوده عليك
أو تقول: من أهمله اللّه و تركه مع نفسه و هواه لا نهاية لمذامه و قبائحه، فإن للنفس من النقائص ما للّه من الكمالات، و من تولاه اللّه و أظهر جوده عليه و لم يتركه مع نفسه و أزعجه عن حظه و حال بينه و بين هواه فلا نهاية لمدائحه، إذ كمالات اللّه لا نهاية لها، و ما هنا إلا مظاهره، فكما لا نهاية لجلاله كذلك لا نهاية لجماله، و اللّه تعالى أعلم. هذا آخر الباب الثاني عشر.
و حاصلها: تعظيم الأوراد، و التأهب لورود الأمداد، و تصفية البواطن من الأكدار لتشرق عليها شموس الأنوار، و هي شموس العرفان، فيفنى العارف عن التدبير و الاختيار، فكل يوم ينظر ما يفعل الواحد القهار، فيتأنس حينئذ بكل شيء و يتأدب مع كل شيء و يعظم كل شيء و لا يستوحش من شيء لمعرفته في كل شيء؛ فيستأنس في هذه الدار بالنظر إلى اللّه في حجاب صفاته و هي مظاهر مكوناته، و سيكشف له في تلك الدار عن كمال ذاته من غير حجاب صفاته.
و ذلك أنه لما علم أنه لا يصبر عنه أشهده ما برز منه، و لما علم أن من عباده من لا يقدر أن يشهده في مكوناته أشغله بخدمته و علم أيضا أنه إن دام على عمل واحد ربما حصل له الملل، لوّن له الطاعة و العمل، و علم ما في عبده من الشره فحجرها عليه في بعض الأوقات ليكون همه إقامة الصلاة لا وجود الصلاة، ثم ذكر ثمراتها و نتائجها، و نهاك عن طلب العوض عليها لكونك لست عاملا لها، و إنما هو فضل من اللّه عليك، خلق فيك القوة و نسبها إليك، فإن ردك إلى نفسك و تركك مع هواك لا تتناهى مذامك، و إن أخذك عن نفسك و تولاك بجوده و فضله لا تفرغ مدائحك، حيث صرت وليّا من أوليائه و صفيّا من أصفيائه، جعلنا اللّه منهم بمنه و كرمه آمين.