التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٢٩ - كلام عن الكبائر
نعم ذهب إليه أيضا بعض أصحابنا المتأخّرين كالفقيه البحراني[١] و صاحب الجواهر[٢] و تلميذه المولى عليّ الكني[٣] استنادا إلى ظواهر آيات و روايات حسبما يمرّ عليك.
و حيث كان أصل اختيار هذا المذهب للمعتزلة، و هم سبقوا غيرهم في أصول الاستدلال عليه بما لم يتركوا لمن بعدهم شيئا يذكر، كان من الواجب النظر فيما قالوه بالذات بهذا الصدد:
قال القاضي عبد الجبّار[٤]- هو من أكابر شيوخ الاعتزال و أوسع من تكلّم في هذا المذهب و كتب فيه الكتب الموسعة-:
«فإن قيل: و ما تلك الدلالة الشرعيّة الّتي دلّتكم على أنّ في المعاصي ما هو كبير و فيها ما هو صغير، أ في كتاب اللّه تعالى أم في سنّة رسوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أم في اتّفاق الأمّة؟
قيل له: أمّا اتّفاق الأمّة فظاهر على أنّ أفعال العباد تشتمل على الصغير و الكبير. غير أنّا نتبرّك به و نتلو آيات فيها ذكر الصغير و الكبير و ما في معناه:
قال اللّه سبحانه و تعالى: ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَ لا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها[٥]
و قال تعالى: وَ كُلُّ صَغِيرٍ وَ كَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ[٦]
و قال: وَ كَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَ الْفُسُوقَ وَ الْعِصْيانَ[٧]
فرتّب المعاصي هذا الترتيب، بدأ بالكفر الّذي هو أعظم المعاصي. و ثنّاه بالفسق، و ختم بالعصيان. فلا بدّ من أن يكون قد أراد به الصغائر، و قد صرّح بذكر الكفر و الفسق قبله.
و قال أيضا: الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَ الْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ[٨]. فلا بدّ من أن يكون المراد باللّمم الصغائر، و إلّا كان لا يكون للاستثناء معنى و فائدة، إذ المستثنى لا بدّ من أن يكون غير المستثنى منه.
[١] الحدائق الناضرة ١٠: ٥٤.
[٢] جواهر الكلام ١٣: ٣٠٥.
[٣] كتاب القضاء: ٢٧٦.
[٤] استدعاه الوزير الصاحب بن عبّاد في دولة آل بويه إلى الرّي و ولّاه قاضيا لقضاتها في سنة ٣٦٧ ه. و شملت رئاسته القضاء في الرّي و قزوين و زنجان و قم و دماوند. ثمّ أضيف إليه قضاء جرجان و طبرستان. و قد كان موضع إعجاب الوزير العظيم الشأن.
[٥] الكهف ١٨: ٤٩.
[٦] القمر ٥٤: ٥٣.
[٧] الحجرات ٤٩: ٧.
[٨] النجم ٥٣: ٣٢.