التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٢٧ - كلام عن الكبائر
و إلى هذا المعنى أيضا يشير قوله تعالى: وَ يَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى. الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَ الْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ[١]. مدح تعالى المحسنين و وصفهم بتعهّد دينيّ قويم يمنعهم عن ارتكاب الجرائم و الآثام، ما عدا ما يقع منهم أحيانا[٢] عن دوافع غير إراديّة و غير جدّيّة، و إنّما تصدر منهم صدورا. فهي مغفورة لهم تفضّلا و رحمة بجانب ضعفهم البشريّ، و تقديرا لمكان إيمانهم القويم حيث التعهّد الدينيّ هو الّذي يزجر بهم و يدعوهم إلى الندم و الاستغفار إثر ما فرط منهم من خطأ!
و بذلك جاء التصريح في قوله تعالى: وَ الَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَ مَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَ لَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَ هُمْ يَعْلَمُونَ[٣].
قوله: ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا ... تفسير للّمم.
[٢/ ٦٢٧٠] على ما جاء في حديث إسحاق بن عمّار عن الإمام الصادق عليه السّلام: «اللّمم: الرجل يلمّ بالذنب فيستغفر اللّه منه»[٤] كأنّه لم يرد إيقاعه و إنّما وقع منه وقوعا على خلاف طبعه، و رغم إرادته في التعهّد الدينيّ، و من ثمّ يندم عليه فور ما فرط منه و يتوب إلى اللّه!
[٢/ ٦٢٧١] و في حديث آخر قال عليه السّلام: «اللّمام: العبد الّذي يلمّ الذنب بعد الذنب ليس من سليقته أي من طبيعته»[٥].
[٢/ ٦٢٧٢] و قال: «ما من مؤمن إلّا و له ذنب يهجره زمانا ثمّ يلمّ به ...»[٦].
[١] النجم ٥٣: ٣١- ٣٢.
[٢] هذا هو تفسير« اللّمم». لأنّه مقاربة الشيء من غير مواقعته، يقال: فلان يفعل كذا لمما أي حينا و آخر، كأنّه لا يتعمّده سوى ما يفرط منه أحيانا. قال الصادق عليه السّلام:« هو الذنب يلمّ به الرجل، فيمكث ما شاء اللّه ثمّ يلمّ به بعد». و في حديث آخر:« الهنة بعد الهنة» أي الذنب بعد الذنب يلمّ به العبد، روى القمّي عن إسحاق بن عمّار قال: قال الصادق عليه السّلام:« ما من مؤمن إلّا و له ذنب يهجره زمانا ثمّ يلمّ به، و ذلك قول اللّه عزّ و جلّ: إِلَّا اللَّمَمَ ... و اللمم: الرجل يلمّ بالذنب فيستغفر اللّه منه»( الكافي ٢: ٤٤١- ٤٤٢). قال ابن عرفة: اللمم عند العرب أن يفعل الإنسان الشيء في الحين، لا يكون له عادة.
و يقال: اللمم هو ما يلمّ به العبد من ذنوب صغار بجهالة ثمّ يندم و يستغفر و يتوب فيغفر له.( مجمع البحرين ٤: ١٤٢، مادّة: لمم).
[٣] آل عمران ٣: ١٣٥.
[٤] الكافي ٢: ٤٤٢/ ٣، كتاب الإيمان و الكفر، باب اللمم.
[٥] المصدر/ ٥.
[٦] المصدر/ ٣.