التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٩٦ - سورة البقرة(٢) آية ٢١٣
قال تعالى:
[سورة البقرة (٢): آية ٢١٣]
كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ وَ أَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَ اللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣)
و بعد أن ذكر القيم و الموازين الّتي ترفع أو تضع من شأن بني الإنسان، حسب تصوّراتهم و تصرّفاتهم في الحياة ينتقل السياق إلى قصّة الاختلاف بين الناس في التصوّرات و العقائد، و الموازين و القيم، و ينتهي بتقرير الأصل الّذي ينبغي أن يرجع إليه المختلفون، و إلى الميزان الأخير الّذي يحكم فيما هم فيه مختلفون:
كانَ النَّاسُ في عهدهم الأوّل، و لعلّه إشارة إلى حالة المجموعة البشريّة الأولى الصغيرة، من أسرة آدم و حوّاء و ذراريهم، و قد كانت متطلّبات حياتهم آنذاك على بساطتها الأولى، محدودة و في قناعة ذاتيّة لا تستدعي تجاوزا و لا تناحرا و لا تكاثرا في المتطلّبات.
فالبشريّة الآن- على توسّع نطاقها و انتشارها في الأرض- إنّما هي منحدرة عن أصل واحد، و عن نتاج أسرة واحدة متكاتفة، و هادئة إلى حدّ بعيد. فلتنظر الآن إلى سابق حياتها الأولى، و لتعتبر بتلك الحياة السعيدة الهانئة. و لتنتهي عن هذا الاختلاف الفاحش المهدّد لسلامة الحياة و سعادتها المنشودة.
نعم، كان الناس أمّة واحدة هادئة مطمئنّة، و لكن في مجموعة صغيرة و في نطاق محدود، حتّى نمّت و توسّعت و أخذت في التكثّر و التفرّق، كما أخذت في التطوّر و الازدهار، ببروز الاستعدادات الكامنة في وجودها، و الّتي فطرهم اللّه عليها، لحكمة يعلمها، و يعلم ما وراءها من خير للحياة، في التنوّع في الاستعدادات و الطاقات و الاتّجاهات.
و عندئذ اختلفت التصوّرات و تباينت و جهات النظر، و تنوّعت المعتقدات و تعدّدت المناهج، بطبيعة الحال.