التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٧ - ملاحظات
الأكل عند الغروب و عند السحور.[١] وهموا اختصاص جوازه بهذين الوقتين، فكانوا يتحرّجون- فيما حسبوا- من الأكل و غيره فيما بين الوقتين، فجاءت الآية دفعا لهذا التوهّم، و أنّه جائز طول اللّيل حتّى طلوع الفجر. فلم تكن الآية نسخا لشرعة إسلاميّة، و إنّما هي دفع لتوهّم الحظر- في مصطلحهم- و إن شئت فسمّه نسخا لجانب من شريعة الصوم فيما سلف.
قال ابن عاشور: و ما شرع الصوم إلّا إمساكا في النهار دون الليل، فلا أحسب أنّ الآية إنشاء للإباحة، و لكنّها إخبار عن الإباحة المتقرّرة في أصل توقيت الصيام بالنهار. و المقصود منها إبطال ما توهّمه بعض المسلمين، و هو أنّ الأكل في اللّيل لا يتجاوز وقتين: الإفطار و السحور، و جعلوا وقت الإفطار هو ما بين المغرب إلى العشاء، لأنّهم كانوا ينامون إثر صلاة العشاء، فإذا صلّوها لم يأكلوا إلّا أكلة السحور. و هكذا شأن مباشرة النساء و اعتادوا جعل النوم بعد العشاء مبدأ وقت الإمساك الليلي، فحسبوا أنّ النوم إذا حصل في غير إبانه المعتاد، يكون أيضا مانعا من الأكل و الجماع، إلى وقت السحور، و أنّ وقت السحور لا يباح فيه إلّا الأكل دون الجماع؛ إذ كانوا يتأثّمون من الإصباح في رمضان على جنابة.
قال: و قد جاء في صحيح مسلم: أنّ أبا هريرة كان يرى ذلك[٢]، يعني بعد وفاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم.
لعلّ هذا قد سرى إليهم من أهل الكتاب، كما يقتضيه ما رواه محمّد بن جرير من طريق السّدّي[٣].
و لعلّهم التزموا ذلك و لم يسألوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و لعلّ ذلك لم يتجاوز بعض شهر رمضان من السّنة الّتي شرع لهم فيها الصيام، فحدثت هذه الحوادث المختلفة المتقاربة!
[١] كان الصوم و الإمساك عن المآكل و سائر المشتهيات عند أهل الكتاب ذريعة لديه تعالى عند عروض النائبة، و كانوا يواصلون الإمساك من غروب الشمس حتّى غروبها في اليوم التالي.( قاموس الكتاب المقدّس- جيمس هاكس: ٤٢٨).
و هكذا روي عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال:« فصل ما بين صيامنا و صيام أهل الكتاب أكلة السّحر». رواه أحمد( ٤: ١٩٧) و الترمذي( ٢: ١٠٦/ ٧٠٣، باب ١٧) و مسلم( ٣: ١٣٠- ١٣١) و أبو داود( ١: ٥٢٦/ ٢٣٤٣، باب ١٤) و الدارمي( ٢: ٦) و النسائي( ٢: ٨٠/ ٢٤٧٦) و ابن أبي شيبة في المصنّف( ٢: ٤٢٦/ ٣. باب ٦) و كنز العمّال( ٨: ٥٢٧/ ٢٣٩٨٦) و القرطبي( ٢:
٣٢٩) و ابن كثير( ١: ٢٢١، ط: البابي).
[٢] مسلم ٣: ١٣٧، و فيه عن أبي هريرة أنّه يقول:« من أدركه الفجر جنبا فلا يصم».
[٣] الطبري ٢: ٢٢٧/ ٢٤٢٠.