التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٥٧ - سورة البقرة(٢) آية ٢١٩
مكّة، عن يحيى بن جعفر عن عليّ بن عاصم عن عوف بن أبي جميلة عن أبي القموص[١]، قال:
شرب أبو بكر الخمر في الجاهليّة، فأنشأ يقول- و ذكر الأبيات- فبلغ ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فقام يجرّ إزاره حتّى دخل، فتلقّاه عمر، و كان مع أبي بكر، فلمّا نظر إلى وجهه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم محمرّا قال: نعوذ باللّه من غضب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و اللّه ما يلج لنا رأسا أبدا، فكان (أي عمر) أوّل من حرّمها على نفسه.
قال ابن حجر: و اعتمد نفطويه هذه الرواية، فقال: شرب أبو بكر الخمر قبل أن تحرّم، و رثى قتلى بدر من المشركين. و قد ذكر ابن هشام في السيرة أنّ ابن شعوب المذكور، كان أسلم ثمّ ارتدّ[٢].
*** رجع الحديث إلى ما ذكره الثعلبي في التفسير، قال:
[٢/ ٦٣٠٦] قالوا: و اتّخذ عتبان بن مالك طعاما فدعا رجالا من المسلمين فيهم سعد بن أبي وقّاص و كان قد شوى لهم رأس بعير، فأكلوا و شربوا الخمر حتّى أخذت منهم، ثمّ إنّهم افتخروا عند عتبان و انتسبوا و تناشدوا الأشعار، فأنشد سعد قصيدة فيها هجو الأنصار و فخر لقومه، فقام رجل من الأنصار و أخذ لحيي البعير فضرب به رأس سعد فشجّه شجّة، فانطلق سعد إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و شكا إليه الأنصاري، فقال عمر: اللّهمّ بيّن لنا رأيك في الخمر بيانا وافيا، فأنزل اللّه تحريم الخمر في سورة المائدة: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ إلى قوله يَنْتَهُونَ و ذلك بعد غزوة الأحزاب بأيّام، فقال عمر: انتهينا يا ربّ.
[٢/ ٦٣٠٧] قال أنس: حرّمت و لم يكن يومئذ للعرب عيش أعجب منها إليهم يوم حرّمت عليهم، و لم يكن شيء أثقل عليهم من تحريمها. قال: فأخرجنا الحباب إلى الطريق فصببنا ما فيه، فمنّا من كسر حبّه، و منّا من غسله بالماء و الطين، و لقد غدت أزقّة المدينة بعد ذاك الحين كلّما مطرت استبان بها لون الخمر و فاحت ريحها.
قال الثعلبي: فأمّا ماهيّة الخمر فاختلف الفقهاء فيها، فقال بعضهم: هو خاصّ فيما اعتصر من
[١] مرّ الحديث عنه و هو زيد بن عليّ العبديّ. قوله: شرب الخمر في الجاهليّة، أي اعتاد شربها منذ أيّام الجاهليّة حتّى جاء تحريمها في الإسلام.
[٢] الإصابة في معرفة الصحابة ٤: ٢٢- ٢٣؛ السيرة لابن هشام ٣: ٣١.