التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٥٣ - سورة البقرة(٢) آية ٢٠٤
فحمت عاصما و لم يقدروا عليه، فسمّي حميّ الدّبر، فلمّا حالت بينهم و بينه، فقالوا: دعوه حتّى يمسي فتذهب عنه فنأخذه، فجاءت سحابة سوداء و مطرت مطرا كالعزالي[١] فبعث اللّه الوادي غديرا فاحتمل عاصما فذهب به إلى الجنّة و حمل خمسين من المشركين إلى النّار. قال: و كان عاصم قد أعطى اللّه عهدا أن لا يمسّ مشركا و لا يمسّه مشرك أبدا تنجّسا منه، و قال عمر بن الخطّاب- حين بلغه الخبر أنّ الدّبر منعته-: عجبا لحفظ اللّه العبد المؤمن، كان عاصم نذر أن لا يمسّه مشرك و لا يمسّ مشركا أبدا، فمنعه اللّه بعد وفاته كما امتنع منه في حياته. فأسر المشركون خبيب بن عديّ و زيد بن الدثنة فذهبوا بهما إلى مكّة، فأما خبيب فابتاعه بنو الحرث بن عامر ليقتلوه، و كان خبيب هو الّذي قتل الحرث بن عامر بأحد. فبينما خبيب عند بنات الحرث إذ استعار من إحداهنّ موسى ليستحدّ بها للقتل[٢] فأعارته. فدرج بنيّ لها و هي غافلة، فما راع المرأة إلّا خبيب[٣] قد أجلس الصبيّ على فخذه و الموسى بيده، فصاحت المرأة: فقال خبيب: أ تخشين أن أقتله؟ ما كنت لأفعل ذلك إنّ الغدر ليس من شأننا!
فقالت المرأة بعد- و كانت قد أسلمت-: ما رأيت أسيرا قطّ خيرا من خبيب؛ لقد رأيته- و ما بمكّة من ثمرة، و إنّ في يده لقطفا من عنب يأكله، إن كان إلّا رزقا رزقه اللّه.
ثمّ إنّهم خرجوا به من الحرم ليقتلوه و أرادوا أن يصلبوه فقال: ذروني أصلّي ركعتين، فتركوه فصلّى ركعتين فجرت سنّة لمن يقتل صبرا أن يصلّي ركعتين، ثمّ قال: لو لا أن يقولوا جزع خبيب لزدت، و أنشأ يقول:
|
و لست أبالي حين أقتل مسلما |
على أي شقّ كان في اللّه مصرعي |
|
|
و ذلك في ذات الإله و إن يشأ |
يبارك في أوصال شلو ممزّع[٤] |
|
ثمّ قال: اللّهمّ أحصهم عددا و اقتلهم بددا و لا تغادر منهم أحدا. فصلبوه حيّا، فقال: اللّهمّ إنّك
[١] العزالي- جمع العزلاء-: مصبّ الماء من القربة و نحوها.
[٢] أي ليحلق الشعر من جسده استعدادا للورود على اللّه، متطهّرا. و في الروض الأنف( ٣: ٢٢٦): أنّه طلب منها حديدة ليتطهّر بها للقتل.
[٣] أي ما أفزعها إلّا ما رأت أنّ خبيبا قد أجلس ولدها على فخذه.
[٤] الشلو: العضو. و الممزّع: المقطّع.